أخر تحديث : الخميس 14 يونيو 2018 - 1:14 مساءً

المسلم بين نداء التدبير وممارسة التبذير

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 14 يونيو, 2018 | قراءة

 عبدالرؤوف الزكري
لقد قرر ابن خلدون أن « الناس أبناء عوائدهم » ومن قبله أرسطو الذي أكد ان « العادة هي الطبيعة الثانية للإنسان ». ولقد اعتدنا أن نرفع من منسوب الاستهلاك في هذا الشهر الفضيل، وأيضا من تضخيم الخطاب حول ضرورة الاقتصاد في الأكل والشرب، لأن ذلك من مقاصد الصيام وعونا على القيام.
وجل المعطيات تشهد، أن إنسان اليوم غارق في التبذير والهدر. هذا الأخير الذي يُتحدث عنه في مختلف المجالات: الهدر المدرسي، هدر الزمن السياسي، هدر فرص التحديث المجتمعي… ولا يأخذ الهدر الغذائي نصيبه من المعالجة الإعلامية، رغم علاقته الوطيدة بالتنمية التي نسعى لتحقيقها. وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، إلى أننا نهدر 1,3 مليار طن من الأغذية في السنة على مستوى العالم. مما يعني أن ربع غذاء العالم يهدر كل عام. وهو ما يكفي لإطعام ضعف عدد جياع العالم. كل هذا الهدر رغم نبذه من كل الثقافات، ورفضه منكل القيم الإنسانية. لكن تداعيات الموضوع البيئية والإنسانية، فرضت طرحه للتداول والتفكير في أفق تجاوزه. فالمواد الغذائية تستنزف وتهدر، وهو ما يشكل تحديا بيئيا على الأمم رفعه، إذا علمنا أن 80%من الطعام المهدر يمكن تفاديه. وهو ما يؤكده فانهام من مركز الأبحاث التابع للمفوضية الأوربية: « الشيء الجيد هو أن هذا الهدر يمكن تفاديه، وأننا يمكن أن نفعل شيئا بشأنه».
وإذا عرجنا على تجارب الدول والأمم في هذا الشأن، نجد أن فرنسا توجه الطعام غير المباع والصالح إلى المؤسسات الخيرية، أو يتم استخدامه في إطعام الحيوانات أو كسماد زراعي. كما تم سن قوانين تحظر على المتاجر الكبرى، التخلص من الطعام غير المباع، ويعاقب المخالفين بغرامات كبيرة تصل إلى حد السجن. علما أن معدل ما يتخلص منه الإنسان الفرنسي من الطعام، لا يتجاوز 20كلغ للفرد سنويا. أما على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط، فإن معدل ما يهدر، يقدر بحوالي 250كلغ للفرد في السنة. المستورد منه أكثر من 50%. وبعض دول شمال إفريقيا تهدر نصف تقريبا ما تستورده من القمح(16مليون طن من أصل 36 مليون طن) وهو ما يكفي لما بين 70و100 مليون شخص.
ويعزو الهادي كازوز المستشار الإقليمي للصناعات الزراعية والبنية التحتية للشرق الأدنى وشمال إفريقيا السبب في هذا الارتفاع الكبير لهدر الغذاء إلى:
– الكرم الزائد عند إقامة الولائم.
– المبالغة في صنع الطعام خلال الأعياد والمناسبات.
بالإضافة إلى عدم كفاءة الحصاد، نقص مرافق التخزين ووسائل النقل، هدر المطبخ وأخيرا السلوكيات الغير المسؤولة من جانب تجار التجزئة والمستهلكين. ولاحتواء المشكلة، تقترح الفاو وصفة تتمثل في:
– إعداد خبرات ملمة بكيفية الحفاظ على المنتجات الغذائية.
– إعداد بيانات والتوعية الاجتماعية.
فإذا كان إعداد الخبراء موكول لمنظومة التربية والتكوين، والتي يشهد واقعها الحالي أنها تزرع البذور الأولى في ذهنية الطفل لثقافة الهدر، لما يترسخ لديه من لا جدوى الحرص على زمن التعلم عمليا، لاكتساحه بأنشطة يُعتقد أنها تلمع صورة المدرسة، طمعا في اكتساب زبناء جدد. وأخرى بدعوى التكوين لأطرها، والتي لايعرف ما يُتداول فيها طريقه إلى الفصول الدراسية حتى يكون له المردود الإيجابي على تحصيل المتعلم. وأخرى لتغطية مآرب حيث المتعلم الغائب الأكبر عنها. وهكذا يصبح انفلات الزمن من بين يديه عادة وسلوك لا يتحسر عليه ولا يثير أي انفعال ضده. كما لا يتحسر على رمي بقايا الطعام في ثنايا ما يُكلف بحمله إلى مكب النفايات من طرف الراشدين في البيت. وهكذا يشد تربية المدرسة وتنشئة البيت بعضهما البعض في تكوين العقلية الهادرة المبذرة، يصعب على أي خطاب بعده أن يعيد القطار إلى سكته. فهل ينجح المسجد فيما فشلت فيه المدرسة والبيت؟
الجواب عن السؤال، يكمن في تأمل حالنا في شهر الصيام، الذي هو نفحة من نفحات الرحمن التي أُمر المسلم بأن يتعرض لها وينتهز فرصتها، لتعزيز ما يحمد من الممارسات، وتقويم ما يُنبذ من الاختلالات. لما يحفل به الشهر من مواعظ وحلقات علم، تعيد للمسجد دوره الريادي في التوعية والتنوير، يصل صداه إلى أركان البيوت عبر الشاشات، إضافة إلى ذلك السيل الجارف من الأدعية والمواعظ والابتهالات المتداولة عبر الوسائط المختلفة.ولا غرو في ذلك، ما دمنا في شهر الفرقان، الذي بتدبره نستطيع أن نفرق بين ما يصح وما يكره من السلوكيات. في أفق تجاوز ماضي الآثام والارتماء في أحضان محاسن الأقوال والأفعال، امتثالا لشريعة ارتضيناها دينا، وكتابا تبنيناه دستور حياة، وسنة أحببنا أن نتأسى بالذي شهد الله بعظمة أخلاقه، القائل:« بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»، ولا تمنعه أخلاقه العظيمة من أن ينهر المتجشئ، ويتوعده بسوء العاقبة في الآخرة. هذا المعنى الذي ادركه السلف الصالح، وأدركوا منافع قلة الطعام، لأنه « يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب. وكثرتهيوجب ضد ذلك ». «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات»، وتنافسوا في الاستهلاك رغبة في الاستهلاك ذاته، ومجاراة لنزعة عالمية، مفادها « اعمل لتنتج، وانتج لتستهلك». فكان نصيب القمامة أكبر من نصيب بطونهم، فأنى لهم من صفاء فهم، ورقة فهم. والبطنة ليست مذهبة للفطنة فقط، بل كابحة للحركة، تثقل عن أداء العبادات الملازمة للصيام، فلا يلبثهذاالأخير إلا استعدادا لوليمة يأخذ الأهبة لها من بداية اليوم، تذهب بمغزاه الاقتصادي، لتجنح به في براثن الإسراف والهدر الذي تتوسع دائرته لتشمل أصنافا من الأغذية يسيل لها اللعاب. مما يؤول بكل هذا الزخم الوعظي الماتح من القاموس الديني إلى اللا معنى، ليس له المفعول المرتجى، والتأثير المبتغى، فينضاف حلقة في سبحة الهدر التي لا يحصى عددها.
هذا غيض من فيض الخزانة الإسلامية في التربية الاستهلاكية، والتدبير المنزلي حتى لا يكون مصدر هدر مادي وتربوي. فالمتدرج في أسلاك المدرسة الرمضانية، لا ينال شهادة النجاح والقبول، ما لم يعي قيمه في الاقتصاد، والإحساس بمسغبة الفقراء التي هي عين الحكمة من شريعة الصيام، وليخرج من دائرة العادة إلى دائرة العبادة.على أمل أن تنهض مؤسسات التنشئة الاجتماعية، والمجتمع المدني، والهيئات الإعلامية للقيام بدورها التي عجزت أو قصرت فيه باقي المؤسسات التربوية بالأصالة والنشأة ، ونفض الغبار عن هذا التراث التربوي حتى تعيه الأفئدة، وتنصاع لها الجوارح طائعة، ويكون لوصفة الفاو مفعولها التي ولا شك هي في مصلحة الشعوب، عكس الكثير من الوصفات الأممية التي تربك حسابات حكوماتها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع