أخر تحديث : الأحد 8 يوليو 2018 - 3:22 مساءً

النجاح حق أم امتياز ؟_

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 8 يوليو, 2018 | قراءة

الزكري عبدالرؤوف

يصبح النجاح والتفوق في مثل هذه الآونة من السنة الدراسية أعز ما يطلب، فقديما قيل: « يوم الامتحان يعز المرء أو يهان». لارتباطه بالمستقبل الناعم والعيش الرغيد، ما دامت المدرسة وسيلة للترقي الاجتماعي، ومصعدا يستلقه الفقراء للحاق بالمحظوظين من أهل الثراء إن جاز الوصف. و النجاح هو غاية يسعى إليها المرء، طالبا كان أو عاملا، في بداية مشوار الحياة، أو في خريفها. لأن الحياة كالمطر لا يُعرف الخير، هل في بدايته أم في نهايته.

مفهوم النجاح:

إن النجاح ارتبط دوما بالأهداف التي يسعى الفرد لتحقيقها في مدى زمني معين. وهي ولا شك مرتبطة ومنسجمة مع ما نميل إليه ونرغب فيه، ومتى عرفت طريقها نحو التحقيق، شعر الإنسان بالرضا والإشباع، فتتكشف له على التو قيمة وجوده. فتحديد الأهداف هي مدار نجاح أو فشل الإنسان، وسعادته أو شقائه. فمتى سعى إلى تحقيق هدفه؛ استمتع بالحياة، سواء حالفه الحظ، أو أخذته نوبة ارتداد وانتكاسة إلى زوال عما قريب، لأنها مؤقتة وليست ضلالا مزمنا، مادام قابضا على البوصلة التي تهديه سبل الحياة التي يرغب السير فيها تبعا لوضوح هدفه. فكما قال كيسنجر: « إذا كنت لا تعرف أين تريد الذهاب، فكل طريق سيذهب بك إلى لا شيء». وكينونة الحياة وجودتها، تتحقق حين يستطيع المرء التمييز بين المهم والتافه، وما يقربني من هدفي، وما يبعدني عنه. أنذاك تتولد رغبة نفسية وحالة ذهنية يسميها الخبراء النجاح « فالأبطال لا يصنعون في صالات التدريب، الأبطال يصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي: الإرادة والحلم والرؤية» (محمد علي كلاي). هذه الحالة هي الوقود الضروري للانطلاق للعمل والمحفز للاستمرار فيه إلى منتهاه، كما انتهى بغاندي إلى التحرر من سطوة الاستعمار، لأنه آمن «ما المرء إلا نتيجة أفكاره، ما يفكر فيه يصبح عليه»، فبامتلاك هذه الحالة الذهنية ولو بالتظاهر، مع مرور الوقت تصير إنسانا ناجحا.

من النجاح إلى التفوق:

من نافلة القول، أن النجاح درجات، كما الفشل دركات. وقد  يظهر الفرد من النبوغ، ما يجعله متفوقا بأدائه المتميز ضمن الفئة العمرية التي ينتمي إليها، في جانب أو أكثر.  ودائما تجده متحفزا للعمل من تلقاء نفسه ولفترات طويلة. بلغة السيكولوجيين، له دافعية كبيرة للعمل، والدافعية كما هو معلوم، إن لم تكن خِلقة فقد تكون اكتسابا. بالإضافة إلى موهبته وسَمْتِه القيادي، المتمثل في الثقة بالنفس، و« الثقة بالنفس عادة يمكنك أن تنميها عبر التصرف كما لو كنت تمتلك بالفعل الثقة التي ترغب في الحصول عليها» (براين تراسي)، والقدرة على التعبير عن أفكاره مهما اختلفت عن أفكار الجماعة ومناقشتها، معتقدا في صحة نصيحة (برتراند راسل): « لا تخشى أن تكون مختلفا في الرأي مع الغير فكل رأي مقبول… كان يوما مخالفا لما هو سائد»، مع إبداعه في حل المشاكل التي تعترضه، مما يجعله مؤثرا في الآخرين. مع ضرورة الانتباه إلى ما يمكن أن يصاحب هذه الحالة من الغرور والتعالي الذي ينبغي معالجته قبل ان يفسد على المتوفق حياته.

النجاح سيرورة عملية بعد الحالة الذهنية:

من المشروع جدا، أن يتساءل المرء هل النجاح والتفوق اكتساب أم هبة؟ فيقين الإنسان في نجاحه وتبوئه المكانة التي يرتضيها لنفسه عامل هام لتحقق ذلك، لكنه ليس حاسما ما لم يصاحبه الجهد والعمل الدؤوب، حتى تعرف الأماني والتطلعات طريقها نحو التحقيق ف « الجهد المتواصل وليس الذكاء أو القوة هو مفتاح إطلاق الذات قدراتها الكامنة» (تشرشل). فالإنسان وإن خانه الذكاء، فإن الإصرار على النجاح وتكرار المحاولات لبلوغه يجبران النقص في القدرات العقلية « فنحن نتاج ما نفعله بتكرار، الجودة إذن ليست عملا، بل عادة» (أرسطو). وللتدليل على هذا يكفي القيام بجولة في تاريخ الفكر البشري، والنبش في حياة العظماء الذي ساهموا بحظ وافر في الرقي الإنساني بإبداعاتهم ومنجزاتهم الحضارية والعلمية، وما كان أن يتحقق لهم ذاك، لو أنهم ركنوا إلى ما جبلوا عليه من قدرات ومهارات. فهذا أديسون يقوم بعشرة آلاف محاولة ليتوصل إلى اختراع المصباح. وابن سينا لم يفهم كتاب « ما بعد الطبيعة» لأرسطو، حتى قرأه أربعين مرة، و كان له العطاء الذي نعرفه اليوم. وفولتير لم يحط بثقافة والعادات الشعبية والسلطانية العربية، إلا بعد أن أعاد قراءة «ألف ليلة وليلة» أربع عشرة مرة. فالنبوغ يتوقف على 1% فقط من الذكاء، و99% من الجهد والمثابرة في نظر أينشتاين الذي اختصر تفوقه في كونه متحمس للعلم والمعرفة. فليست « هناك صفة ضرورية للنجاح، أكثر أهمية من صفة المثابرة والإصرار، فهي تكاد تتغلب على ما يعاندها، ربما حتى قوانين الطبيعة» (جون روكلفلر).

النجاح من التنظير إلى التنزيل:

إن النجاح بهذا المعنى، لا يمكن  حصره في هذه الفئة أو تلك، أو لهذا الشخص وحرمان آخر منه تحت أي دعوى تنهض على موروثات جينية، أو سلالة اجتماعية انحصر فيها النبوغ والتميز. وهي مبررات تجعل من النجاح تميزا ينحصر في جماعة، وليس حقا ثابتا للإنسان، مطلق الإنسان الذي يسخر عقله فيما ينفعه، والذي أقر نابليون هيل بأنه: «ليس هناك حدود للعقل يقف عندها سوى التي اقتنعنا بوجودها»، وهو أعدل قسمة بين الناس حسب ديكارت. وقد اعتبرت المواثيق التربوية النجاح، مصلحة ينبغي حمايتها بالقانون كسائر الحقوق، بل العمل على تمكين المواطن من النجاح. فقد حث الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أن « تبذل كل الجهود لاستقطاب جميع المتمدرسين، وضمان تدرجهم الدراسي على نحو متواصل ومكتل بالنجاح على أوسع نطاق، للقضاء تدريجيا على الانقطاع والفشل». وككل حق، فمن الواجب على المستفيد منه:

-الاجتهاد في التحصيل وأداء الواجبات الدراسية على أحسن وجه.

-اجتياز الامتحانات بانضباط وجدية ونزاهة مما يمكن من التنافس الشريف.

المواظبة والانضباط لمواقيت الدراسة وقواعدها ونظمها.

فهذه بمثابة القواعد الذهبية لتجنب مفاجأة آخر الموسم غير السارة.

النجاح الفردي والفشل الجماعي:

تسعى منظومة التربية والتكوين إلى « الارتقاء بالمجتمع المغربي من مجتمع مستهلك للمعرفة إلى مجتمع لنشر المعرفة وإنتاجها عبر تطوير البحث العلمي والتقني والابتكار في مجالات العلوم البحثة والتطبيقية والتكنولوجية الحديثة، وفي مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية والفنون والآداب» (الرؤية الاستراتيجية للتربية…). إنها غايات لطالما رددتها الأوساط التعليمية والتي لم تعرف طريقها نحو التجسيد، فكل المؤشرات والتقارير تشهد على بؤس العطاء العلمي والقيمي لمدارسنا، وعلى ضعف الحصيلة المعرفية والإمكانات التقنية لخريجي شعبها الغارقة في النظرية والتقليدية والشفهية. وهو ما يجعل حامل شهادات لا يكاد يعثر على موطئ قدم في سوق الشغل. فنسب النجاح التي تصل إلى 100% وبمعدلات جد مرتفعة، تبقى أرقاما للاستهلاك الاعلامي وتلميع الصورة أمام المؤسسات الدولية التي رغم كل شيء تصنفنا في 123 ضمن 188 دولة، والتي يعد التعليم ومستواه أهم معايير التصنيف، والتي يخدش بريقها حالات الغش ونسب الهدر المرتفع مع توالي المراحل التعليمية. وكما صرح الدكتور محمد كداي في إحدى البرامج التلفزية (قضايا وآراء) أن الكثير من أصحاب المعدلات المرتفعة في الباك، لا يستطيعون مواكبة التعليم العالي بنفس التفوق بالكليات العلمية والتقنية. والتي يبقى عطاؤها محدودا في مجال البحث العلمي الذي يهيمن عليه التاريخ والآداب القديمة والإسلاميات…وهو ما يظهر في مجموع طلب براءة اختراع التي لم تتجاوز 252 ، بالمقابل نجد في الولايات المتحدة 166000 اختراع. هذا رغم الميزانيات الضخمة التي رصدت للتعليم، مما يجعل المشكلة لا تنحصر في الميزانيات، بقدر تمركزها في الأهداف والسياسة التربوية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع