أخر تحديث : الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 11:20 صباحًا

تجاذب التربية والتسلية في المخيمات الصيفية في ذكراها المئوية

محمد كماشين | بتاريخ 11 سبتمبر, 2018 | قراءة

الزكري عبدالرؤوف
 «أسعد الناس من له عمل في أوقات الراحة، وراحة في أوقات العمل »، ومفاده أن المرء الناجح هو الذي لا تمر عليه الاوقات وهو بطال لا شغل له بدعوى الراحة، هذه الأخيرة لا تتحقق وتؤدي إلى النتائج المرجوة منها إلا إذا تعامل معها الإنسان كما يتعامل مع عمله بالتخطيط والجد اللازمين، وخصوصا بالنسبة للأطفال واليافعين الذين يُشكل الفراغ بابا إلى الانحراف وجمود العقل ووهن الجسد، وهو ما عبر عنه جرمي تيلر في نصيحته لتلميذه قائلا: « تجنب الكسل والبطالة، ولا تستعف من عمل مهما كان شاقا، لأنه إذا كان العقل بطالا والجسد في راحة وجدت الشرور إليه سبيلا». مثل هذه المعاني نجدها في القرآن الكريم:« وإذا فرغت فانصب » وفي الإنجيل: « الفراغ مسكنة الشيطان ». فلهذا وذاك، أنشئت المخيمات لسد الفراغ الذي تحدثه المدارس أيام العطل، وتكملة لدورها في تنشئة الأطفال على ما لا يتاح للمدرسين أن يقوموا به لسبب أو لآخر. فما هي الأدوار التربوية والترفيهية للمخيمات الصيفية؟ وهل وُفقت في المزاوجة بين التربية والتسلية في أنشطتها؟
الرسالة التربوية للمخيمات الصيفية:
حاولت التنظيمات المدنية أن تساعد المدرسة والأسرة معا على حماية الطفل وتحصينه ضد كل أشكال الانحراف، وعدم تركه للشارع وقيمه السوقية، وما يحفل به من موبقات، أمام انشغال بعض الآباء بأعمالهم، وقلة ذات يد آخرين، ولا مبالات البعض الآخر. فكانت المخيمات الصيفية محضنا للكثير، فهي تهيئ الجو الثقافي والبيئي والرياضي حين مغادرة مقاعد الدراسة وحضن الوالدين خلال فترة محددة. وتزرع قيم التعايش والتسامح والانفتاح على الآخر، في زمن علت فيه أصوات التطرف والتعصب بكل أشكاله، وغزوه لعقول الناشئة وهم في غرف نومهم، وتحت أسقف منازلهم الشيء الذي أصبح معه مصاحبتهم أطول مدة ممكنة وعدم إسلامهم للألواح الالكترونية والهواتف الذكية أولوية وأمرا بالغ الأهمية. في وقت غدت فيه هذه الوسائل المصدر الوحيد للمعلومات، سمينها وغثها، و بشتى أشكالها. ووسيلة أيضا   لإنشاء الصداقات.
 فالمخيم هو مجال للاحتكاك المباشر بين الأنداد، ومقارعة الأفكار والآراء، تحت إشراف مؤطرين لهم من الكفاءة وحسن الخلق ما يجعلهم قدوة أولا، وقيادة الأطفال نحو تحقيق التوازن بين متطلبات البدن والجسد والعقل، ومساعدتهم على عدم السقوط في الملل والضجر بملء الوقت بكل ما هو مفيد وممتع، بعيدا عن الرتابة والجدية الملازمة للتعلم في المدرسة والبيت أحيانا. لذا تتخذ المخيمات الأساليب النشطة منهجا في إنجاز برامجها، في فضاء غير مألوف وجذاب ومتغير باستمرار، الشيء الذي قد يشبع حب المغامرة والاكتشاف لدى اليافعين خصوصا، مع إتاحة الفرصة للتأمل لقوى الطبيعة والتفكر فيها والتمرين على ذلك.  مع تنمية العلاقات الاجتماعية التي يسعى المخيم إليها، وذلك بإشراك الفرد مع زملائه في النشاطات المتعددة وتعاونه معهم على إنجاز مختلف المهام، لتنمية المهارات والخبرات في إطار تربوي ترويحي هادف، المعزز لقيم الانضباط والصرامة، بمنهج نشط، قوامه الاجتهاد الجماعي القائم على التعاون ضمن مجموعات بدل المنافسة، بالمشاركة والحوار لما لهما من أهمية في تنمية الروح الديمقراطية لدى الناشئة، وما يرتبط بها من تدرج في تنمية القيادة، بدفعه إلى المبادرة واقتراح أنشطة وأخذ زمام إنجازها. وبإخراجه من حضن الوالدين، يتعلم الاعتماد على الذات في القيام  بأعماله اليومية من ضبط مواعيد النوم والاستحمام والتنظيف…. وأن يكتسب مهارة التعلم الذاتي من خلال الأنشطة الثقافية والبيئية والرياضية، التي من المفروض أن يتحمل جزءا من أعبائها وقيادة وتخطيط بعض من مراحلها.
دوافع التخييم لدى المؤسسين ومآله لدى اللاحقين:
لا يختلف المؤرخون لظاهرة المخيمات الصيفية بالمغرب، في إرجاعها إلى الاستعمار الفرنسي. وكان ذلك في « صيف 1918 من تنظيم اتحاد نساء فرنسا تحت إشراف السيدة حرم المقيم العام مارشال ليوطي» (اسماعيل أبو هاشم). لكن المستفيدين من هذه المخيمات كانوا « أبناء الجيش و المتعاونين معهم»(محمد القرطيط)، وهذا ما يجعل القول بالدافع السياسي كان المبرر  لإنشاء هذه المخيمات، والتي ترمي إلى تأبيد السيطرة الفرنسية على المغرب، خصوصا إذا علمنا أنها كانت على شكل معسكرات الجيش بمضامينها الانضباطية والولائية و الانقياد الأعمى للتعليمات، كل هذا يزكيه ويعاضده تدخل الكنيسة على الخط التي تولت أمر الإشراف على استجمام أبناء الفقراء، الذين كانوا أكثر نقمة على الاستعمار وممارساته، مما جعل مسألة إخضاعهم تمر عبر اقتحام وجدانهم للقيام بعملية مزدوجة، تتجلى في غسل عقيدة الأسلاف واستبدالها بعقيدة ( الأنوار). وكان يشرف على هذه المخيمات رجال الأعمال بتمويل أنشطتها المضبوطة محتوى وزمنا،  وبتأطير من رجال التعليم، الشيء الذي يبين مركزية التربية في هذه المخيمات على التسلية، هذه الأخيرة التي أصبحت طاغية وبشكل سافر في مخيمات اليوم، حيث ينعدم التخطيط المحكم منهجيا، والمبرر تربويا، و الذي يمكن للأولياء الاطلاع عليه وإبداء اقتراحاتهم وآرائهم بصدده. حتى لا يصبح التخييم مجالا للارتجال والعبث، ف« أفعال العقلاء منزهة عن العبث»، فملء الوقت بالاستماع للموسيقى والرقص على أنغامها الصاخبة والتي تنهل مفرداتها من قواميس أبعد ما تكون عن القيم والمبادئ التي يعلن القائمون على المخيمات ترسيخها، و في فضاءات معدة لاكتساب مهارات ما أحوج الطفل  للتمكن منها، كالسباحة وتذوق الفن بمختلف تلويناته، وزيارة المتاحف والمآثر التاريخية للوقوف على تراث الأجداد والحضارات التي مرت من هنا، واستلهام ما ينبغي استيعابه من ثقافة وقيم الماضي لتوظيفه في البناء للمستقبل. ولا ينبغي اعتبار النشاط الترفيهي هو نشاط لتمضية الوقت و صرفه بأقل جهد  من المؤطر، وتلقيه من طرف الطفل بالقبول والاستحسان، والاستسلام للدعة والاسترخاء بدون مردود تربوي أو معرفي يذكر.
إن تقارير مخيمات الرواد، تشهد أن أنشطتها ساهمت بشكل كبير في تطوير ملكات الطفل الإبداعية والثقافية، من خلال ورشات الرسم والمسرح والموسيقى والسينما، كما نمت لديهم كفايات تواصلية من خلال التعارف والتعاون بين المستفيدين. في حين يعود بعض أطفال اليوم من المخيم وكما صرح بعض الآباء لمواقع إلكترونية وقد تعلموا الكلام السوقي بسبب ضعف الإشراف والمصاحبة للطفل لدى بعض المؤطرين، واهتمامهم بأنفسهم وتلبية حاجاتها الترويحية، غافلين عن مسؤوليتهم التي تحملوها.
خاتمة:
إن مخيما مكملا لعمل المدرسة والأسرة، لا يبلغ مداه وهدفه التربوي الإيجابي والبناء، والذي يؤتي ثماره في حاضر الطفل ومستقبله، إلا بالإعداد المهني والتربوي، إعدادا يمكن المشرفين عليه من التمكن من المهارات والقدرات بكيفية تجعله ملما بطرق وبيداغوجية تمريرها إلى الناشئة، بمصحبة أخصائيين نفسانيين واجتماعيين، حتى نبلغ ما يطمح إليه المجتمع بنسبة أفضل مما هي عليه اليوم. وإلا ستسقط هذه المخيمات فيما سقطت فيه المدرسة التي يتباكى اليوم عليها الجميع. وما آلت إليه الأسرة من فقد أي سيطرة في توجيه أبنائها وترك حبل إعدادهم على الغارب كما تنشأ النباتات البرية.
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع