أخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2012 - 9:25 مساءً

دراسة: تأملات حول إصلاح القضاء

ذ. أنس سعدون | بتاريخ 24 يناير, 2012 | قراءة

  لا سبيل حقيقيا لإصلاح القضاء دون النهوض بوضع القاضي

كثر الحديث أخيرا عن ضرورة إصلاح القضاء كأحد أهم الأوراش الكبرى التي يراهن عليها مغرب الألفية الثالثة. والملاحظ أن أغلب الخطابات التي تناولت الموضوع ركزت على جوانب مهمة ومتباينة أحيانا في أولويات الإصلاح المنشود والاقتراحات المقدمة بهذا الخصوص.

إن اللافت للانتباه، ذلك الإغفال الذي يقع في الربط بين الواقع الذي يعيشه قضاة اليوم، وبين انتظارات المواطن العادي والصورة التي يحملها عن القاضي. وحتى الصورة التي من المفترض أن يحرص هذا الأخير على الظهور بها في المجتمع. فنظراً لجسامة المهام الموكولة للقضاة وخطورة الاختصاصات التي يمارسونها وأثرها الكبير والمباشر على الفرد والمجتمع والدولة، فقد ترسّخت في العديد من الضمائر كثير من المبادئ والقيم والأعراف والتقاليد التي يجب أن تحكم سلوك القضاة، والصفات التي يتعين عليهم التحلي بها، ليحصلوا على ثقة الناس واحترامهم. فبالإضافة إلى مقومات الكفاءة والعلم والنزاهة والاستقامةُ والعنايةُ والتجرد، والعدل والإنصاف والورع والشجاعة..، فالقاضي ملزم بالتقيد بمجموعة من الشكليات التي تعتبر ضرورية في عمله ولو من الناحية النظرية.
فالقاضي يجب أن ينأى بنفسه عن كل ما من شأنه أن يمس بصورته المثالية التي تجعله في مكانة مميزة خاصة بالمجتمع، لذا يجب أن يكون حريصا على الحفاظ على الهندام الأنيق والمتميز، والإقامة في سكن راق بعيدا عن كل المؤثرات التي قد تعترض عمله، فلا يعقل للقاضي أن يقيم بوسط شعبي أو في سكن غير لائق بجسامة ومكانة المهام المنوطة به، وهو الذي يمثل سلطة بارزة داخل المجتمع. إذ عليه أن يستحضر في جميع الأحوال أنه يحكم باسم جلالة الملك وأنه يعتلي منصة المحكمة للبت في قضايا الناس بغض النظر عن مستوياتهم الاجتماعية ومشاربهم. ويتعين عليه الحرص على التوفر على سيارة، خاصة تليق بمكانته وتحول بينه وبين مساوئ الاختلاط مع المواطن العادي، إذ لا يجوز للقاضي أن يذهب لعمله مشيا على الأقدام أو أن يمتطي سيارة أجرة أو حافلة مع المتقاضين الذين سيفصل بينهم عند دخوله المحكمة، فذلك سيهدر قيمته ومكانته وهبته داخل المجتمع.
ويجدر بالقاضي أن يتجنب الجلوس بالمقاهي العادية أو بالمطاعم الشعبية التي تجعله عرضة للالتقاء بالأشخاص الذين سبق وأن بت في قضاياهم بالمحكمة، أو ما تزال قضاياهم رائجة بها، لأن في ذلك ما من شأنه أن يعكر صفو عمله، ويسيء إلى مركزه، ويعرضه للقيل والقال. وإذ اضطر لذلك فعليه أن يختار مقهى أو مطعما يليق بمكانته.
كما ينبغي أن يتجنب مصاحبة أي شخص كان بل عليه أن يحصر دائرة معارفه في زملائه من القضاة، حتى يتجنب الأطماع، وعليه أن يتجنب قدر المستطاع الدخول في علاقات دائنية مع التجار أو غيرهم لأن ذلك قد يؤثر على حياده واستقلالية قراراته المستقبلية.
والحقيقة أن هذا النوع من الخطابات التي يتم تمريرها منذ اليوم الأول من الالتحاق بمعهد التكوين الخاص بالسادة القضاة، والتي يتم إعادة تمريرها من جديد من طرف شريحة واسعة من المسؤولين القضائيين غداة لقائهم الأول بالقضاة الجدد الملتحقين بالمحاكم، تكتسي خطورة كبيرة من شأنها أن تؤثر حتى في المسار المهني للقضاة وفي استقرارهم الاجتماعي والنفسي، ذلك أن هذا الخطاب يضع للمتلقي أي القاضي أهدافا كثيرة، ولكنه لا يهتم بتبيان الوسائل الكفيلة بتحقيقها، بل ويمارس ضغوطا على القاضي الناشئ لرفع مستوى طموحه لدرجة تتجاوز السبل والوسائل المتوفرة لتحقيقها، وهو ما قد يشجع البعض على التماس وسائل غير مشروعة لتحقيق أهداف قد تبدو نبيلة وسامية ومشروعة. أو إلى العيش على نقيض ذلك في فصام وفي صدام وصراع بين ضرورة الحفاظ على شرف ونزاهة المهنة، وبين متطلبات الحفاظ على الوقار والهبة اللازمة لها في غياب أدنى الوسائل، فتجد القاضي في الفرضية الأولى يحرص على تحقيق الأهداف المرسومة له منذ البداية، فيوفر لنفسه الملبس المميز والمسكن الملائم ووسيلة النقل الخاصة والمحترمة بغض النظر عن الوسائل المتاحة.
وتجده في الفرضية الثانية يحرص على التفكير في المتوفر من الوسائل، ضاربا بعرض الحائط كل الأهداف والأفكار السابقة التي تخلت الدولة عن مسؤوليتها في توفيرها له، وهكذا لن نستغرب إذا وجدنا القاضي يمتطي حافلة أو سيارة أجرة أو حتى يقوم بتجهيز المنزل الذي اكتراه للإقامة عن طريق الاستدانة أو الاقتراض وبالتقسيط، طالما أنه أقسم منذ اليوم الأول على الحفاظ على شرف المهنة الذي يتجاوز كل الشكليات سالفة الذكر ويتمثل بالأساس في استقلاليته ونزاهته واستقامته.
والحقيقة أن الدولة يمكن أن تفكر في نهوض حقيقي بأوضاع القضاة يسمح لهم بالموازنة والتوفيق بين الأهداف والوسائل المتاحة، ويكفل في الوقت ذاته الحفاظ على الصورة التي يحملها المواطن العادي عن القاضي أو القضاة. خاصة أنهم لا يمثلون سوى فئة اجتماعية محدودة العدد، إذ يمكن أن تسارع إلى الاهتمام برفع أجورهم بشكل يكفل كرامتهم ويجنبهم مذلة السؤال خصوصا في بداية مشوارهم المهني، سيما إذا علمنا أن أغلب القضاة الجدد يتحدرون من أوساط متوسطة أو ضعيفة، ويضطرون لقضاء مدة قد تطول بعاصمة المملكة بمجرد التحاقهم بالمعهد العالي للقضاء الذي يقع بحي الرياض أحد أرقى أحياء مدينة الرباط وهي مدة قد تتجاوز عدة أشهر دون أن يتقاضوا أي أجر سوى الإعانات التي توفرها لهم عائلاتهم ودون أن توفر لهم الإقامة المجانية أو وسائل النقل، وهكذا يبدأ القاضي المبتدئ يومه الأول منذ التحاقه بالمعهد ممتطيا الحافلات وسيارات الأجرة كبيرة الحجم وحتى سيارات النقل السري، ومتنقلا بين حي الرياض الراقي حيث يوجد المعهد العالي للقضاء، وبين إقامة قد تكون مجرد غرفة بسيطة بإحدى فنادق باب الأحد بالرباط أو شقة متواضعة يقتسم السكن فيها مع زملائه من الملحقين القضائيين بحي التقدم بالرباط أو بحي المسيرة بمدينة تمارة في ظروف جد سيئة، وهو يعكس بذلك الازدواجية والتناقض التي تمثلها أغلب الخطابات بين ما ينبغي أن يكون عليه الوضع الاجتماعي للقضاة والواقع الذي يعيشون فيه.  
ويتكرر المشهد نفسه للقاضي بتخرجه من المعهد العالي للقضاء والتحاقه بالمحكمة التي يعين فيها إذ يقضي مدة طويلة وهو يعيش بأجرة الملحق القضائي التي لا تتجاوز أربعة آلاف درهم، وقد تتأخر الجهات المعنية في تسوية وضعيته لمدة قد تقارب السنة، فكيف له في هذه الحالة أن يقدم على السكن بحي راق، أو شراء سيارة خاصة أو حتى يتجنب الاستدانة لتوفير مستلزماته الضرورية؟ ويزداد الأمر سوءا إذا كان القاضي متحملا لأعباء عائلية أو مهددا باقتطاعات واجبات الإقامة الداخلية بالمعهد.
مع العلم أن الدولة توفر لبعض موظفيها من الأطر كالقياد مثلا مجانية النقل والسكن وخط الاشتراك في الهاتف المحمول بمجرد التحاقهم بأماكن عملهم، بل وأجورا تضاعف الأجور المخصصة للقضاة الجدد سواء قبل أو بعد تخرجهم. مع أن أعدادهم تفوق بكثير أعداد القضاة المتخرجين وحتى العاملين بالمحاكم. كل ذلك للحفاظ على تجردهم ومكانتهم داخل المجتمع بالنظر لجسامة المسؤولية والمهام التي تناط بهم.
والحقيقة أن الهوة الواسعة التي تفصل بين ما ينبغي أن يكون عليه القاضي من رفعة ومكانة اجتماعية والواقع الذي يعيشه من شأنها أن تزعزع الثقة حتى في جدوى المشاريع المعلن عنها لإصلاح القضاء وهي مشاريع أعطت الأولوية للعناية ببنايات المحاكم وبتجهيزها وبمراجعة الترسانة التشريعية، وأغفلت العنصر المهم في عملية الإصلاح وهو العنصر البشري إذ لا سبيل حقيقي لإصلاح القضاء دون النهوض بوضع القاضي الذي لا يمكن أن يترجم استقلاليته الحقيقية في قراراته ولا أن يعبر عن جرأته بارتياح إذا لم يحس باستقلاليته المادية، فلا يتصور أن يسهم القاضي في تحقيق الأمن القانوني في بلاده إذا لم يكن متمتعا بأمنه الاقتصادي….. لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع