أخر تحديث : الأحد 11 نوفمبر 2018 - 10:30 مساءً

احمد الجباري والمهدي الطود وأمجاد المدرسة الأهلية في زمن الاستعمار

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 11 نوفمبر, 2018 | قراءة

بقلم أسامة الجباري

في ذلك الصباح الخريفي الجميل من شهر شتنبر المنصرم حين تم تحرير قلب المدينة وشوارعها من فوضى احتلال الطريق العام من الباعة شعرت وكأني أسترجع روح مدينة القصر الكبير من جديد، كانت شوارعها دروبها وأزقتها الفسيحة تغري بالمشي والتأمل فانطلقت أجوب المدينة طولا وعرضا، لا أدري لماذا تبادر إلي ذهني وكأن المدينة كانت في سفر بعيد وعادت من جديد.. شعرت بحنين غريب إليها وكان من اللائق أن اقوم بهذه الجولة الصباحية وحال لساني يقول : ” حمدا لله على سلامتك مدينة الأولياء والأباء”.
وجدت نفسي في الديوان ثم مالبثت أن ولجت للا عائشة الخضراء فسكرنيا ودوار حسيسن وقبل أن أقصد الطابية عرجت على سيدي بورمانة ثم المحلى وعدت من جديد إلى للافاطمة بنت حمد ومررت على درب شاوش قبل أن أجدني في ساحة جامع الأعظم المبارك، راودني الإحساس وأنا أعبر دروبا وأزقة من المدينة القديمة كم نحن مقصرون في حق هذه الأماكن المنسية والتي لا تطأها أقدامنا إلا زمن الانتخابات بحثا عن أصوات هنا وهناك، وقبل عودتي إلى بيتي توقفت كثيرا عند معلمة خالدة من تاريخ مدينتنا المجاهدة ” المدرسة الاهلية” أو ما تبقى من المدرسة التي تحولت الآن إلى مجمع سكني، ربما هذا الجيل لا يستوعب أن من هذا المكان كانت تنطلق الشرارة الأولى للأعمال الوطنية المنادية بالاستقلال والتحرر من الاستعمار، حتى أن المقيم العام الاسباني كان يعتبر أن المدرسة الأهلية بؤرة للتوتر والمخربين ويجب القضاء عليها بالتضييق على مديرها وعلى الأساتذة المشتغلين بها بالحبس والاغتيال.
لقد فطن جيل الرواد الأول أن القضاء على الجهل والتخلف والأمية سبيل إلى الانعتاق والتحرر والاستقلال فكانت المدرسة الأهلية منارة علمية تُدرَّس بداخلها مختلف العلوم وتقام فيها أيضا الكثير من الأنشطة الفنية والإبداعية وكانت أيضا بحق قلعة للوطنية من أجل الحفاظ على الهوية المغربية الاسلامية وهذا لم يكن ليرضي أبدا سلطات الاحتلال ويقوض بالتالي مخططاتهم الاستعمارية.
عدتُ من جديد استمتع بهذا الصباح الخريفي المشمس وأنا أمشي في أزقة وشوارع المدينة التي تنفست الصعداء أخيرا بعد أن تخلصت من الاختناق الذي عانته منه طويلا بسبب احتلال الطريق العام، فمررت هذه المرة بالعطاريين ثم اتجهت يمينا اتجاه السويقة وعرجت على النيارين فساحة سيدي يعقوب، حين وصلت بيتي كنتُ لم أتخلص بعد من نشوة رؤية المدرسة الأهلية العتيقة وذكرى تاريخها النضالي والمعرفي الكبير .
صعدت إلى غرفة في السطح ماتزال تحتفظ بمكتبة السيد الوالد سيدي أحمد الجباري رحمه الله مدير المدرسة الأهلية أستنشق وسط غبار الكتب المكدسة عبق التاريخ ونخوة مناضل ومجاهد وهب نفسه وعلمه خدمة لدينه ووطنه، وأنا أتصفح بعض ملفات أرشيف أوراقه عثرت على وثيقة قيمة جدا تخص حدثا إبداعيا راقيا عرفه فضاء المدرسة الأهلية في عز تاريخها النضالي الكبير والحافل.
الوثيقة هي عبارة عن رواية للأستاذ محمد المهدي الطود ، أستاذ مادتي التاريخ والجغرافية بالمدرسة الاهلية الحسنية ، نسخة رواية ” العامل ” التي عثرت عليها كانت هدية من مؤلفها السيد المهدي الطود إلى والدي السيد أحمد الجباري وقد حرص صاحب الرواية ان يكتب عبارة الإهداء أعلى الكتاب (يمكن ملاحظة ذلك من خلال صورة النسخة المرافقة لهذا المقال ): ”

إلى الأخ المدير المحترم الاستاذ سيدي أحمد الجباري حفظه الله “، وبالمقابل حرص السيد أحمد الجباري أن يخص الرواية بشهادته يوصف فيها محاسن رواية ” العامل” وجمالها وابداع صاحبها، وقال السيد أحمد الجباري ضمن شهادته ( تقريظ وتشجيع ) : ” رواية العامل شامة في جبين قصرنا المتواضع… رواية العامل نمودج لائق ، وتفسير صادق عن حقيقة الشباب الحي، وتجسم للداء والدواء على أنها تخطيط سديد لمن هزته الاريحية الأدبية ان يطأ ميدان القصص والتمثيل . فشكرا لمنشئها ثم شكرا ومرحبا بكل من يحدوا حدوه، ويسلك مسلكه وهنيئا للمدرسة الأهلية الحسنية برجالها الأبرار الخافقة قلوبهم بحب الخير لبنيهم ….”
رحمهما الله وكل أطر المدرسة الأهلية الحسنية وجزاهم الله أحسن الجزاء عن مدينتهم ووطنهم ….
وأنا أغادر مكتبة السيد الوالد راودني الإحساس أنه قد آن الأوان أن تكرم هذه المعلمة الخالدة في تاريخ المدينة ويحتفى بها لأنها تستحق ذلك …
راقني كثيرا الجملة التي ختم بها والدي شهادته عن رواية “العامل” سوف أختم بها أيضا مقالي المتواضع هذا :
المجد والسمو للمغرب.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع