أخر تحديث : الثلاثاء 29 أكتوبر 2013 - 10:00 مساءً

المرحوم الفقيه العلامة عبد السلام نخشى

محمد اسرابو | بتاريخ 29 أكتوبر, 2013 | قراءة

هو الزاهد العابد المفتي الواعظ، مفيد القصريين الإمام العلامة عبد السلام بن العلامة القاضي أبي الحسن علي بن عبد السلام نخشى ولد بالقصر الكبير سنة 1928 م،وبها ينتمي إلى أسرة علمية عريقة أنجبت على امتداد الزمن صفوة من العلماء والفقهاء والقضاة.

كان والده العلامة أبو الحسن علي نخشى من كبار رجالات مدينة القصر الكبير علما وفقها وورعا، حاملا لكتاب الله تعالى قائما بأحكامه، تفقه بالقرويين على يد أبرز علمائها في عصره، تولى مهمة النيابة في القضاء بالقصر الكبير مدة طويلة خلال العشرينات من القرن الماضي، ثم تولى مهمة خطة القضاء في مدينة أصيلة مدة لا تقل عن ست سنوات ثم عاد إلى مسقط رأسه ليتولى منصب القضاء مرة أخرى .

وعلى درب والده سار مُترجَمُنا الفقيه عبد السلام نخشى وقد تشبع بالفكر الديني الإسلامي منذ المراحل الأولى من عمره، فحفظ القرءان الكريم والمتون على يد الشيخ الفقيه الريسوني، ثم ولى وجهه شطر جامع القرويين بمدينة فاس العتيقة، حيث قضى ما يناهز عشر سنوات يتقلب بين أروقتها ويرتقي في مدارج التعلم بها وينهل من معين علمائها، عاد منها ضابطا لأحكام اللغة العربية متقنا لفنونها، متخصصا في العلوم الشرعية على تنوعها .

وبعد رجوعه إلى ربوع مدينة القصر الكبير عُرضت عليه مناصب عدة ليشغلها، فعرض عليه العمل في سلك العدالة ثم في سلك القضاء مرارا، إلا أنه رغب عنها سيرا على نهج أهل الزهد والتُّقى، الذين كانوا لا يريدون من الدنيا إلا قليلا يقوي صلبهم ويعينهم على عبادة ربهم رغباً ورهباً، موثرين بذلك لجانب لفقر على الغنى قناعةً وورعا…

وفي سنة 1956م نال مرغوبه واكتمل مُناه بتنصيبه إماما وخطيبا للجامع الكبير الذي يعرف باسم المسجد الأعظم، وبقي في هذه المهمة كإمام للمدينة ما يناهز أربعة عقود إلى أن وافته المنية.

ولضبطه وإتقانه لقواعد ومناهج علم التوقيت عهِدت إليه نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإعداد ميقاتية الصلوات الخمس لمدينتي القصر الكبير والعرائش ونواحيهما، فكان رحمةُ الله عليه قائما بالمهمة خير قيام إلى آخر يوم من عمره .

وفي سنة 1963م وبأمر من وزارة التشريفات والأوسمة وعلى نفقتها، حج بيت الله الحرام وزار مدينة رسول الله على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

كان الفقيه عبد السلام نخشى علامة مهيبا، فقيها أصوليا على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله ورضي عنه، متصوفا سنيا، حريصا على تربية أبناءه وأبناء مدينته على طلب العلم والأخلاق الفاضلة من خلال ما كان يبثه فيهم – من خلال خطبه التي كان يلقيها ودروس الوعظ التي كان يقوم بها – من أفكار إسلامية رصينة واستنباطات علمية دقيقة وعميقة توقظ الهمم، وتحيي في نفوس المصغين إليها التشبث بكتاب الله تعالى والتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك بمنهج وسطي معتدل، بعيد عن كل تطرف وتعصب أو تشدد، مما جعل له في نفوس القصريين بل وغيرهم، مكانةً نبيهةً ورتبةً شريفةً مُنيفة، لعظيم قدره العلمي وشُفوف منزلته الأخلاقية، جعلت بعض مُحبيه يشدون رحال السفر من شمال المغرب وجنوبه، للإصغاء إلى دروسه وخطبه ومواعظه التي كانت تعطر جنبات الجامع الكبير.

وكان رحمةُ الله عليه شيخا بهيا فاضلا، حسن المنظر، خيِّرا متقربا إلى أهل الخير، متواضعا يحب الفقراء، يقضي جل أوقاته معهم في المسجد إما ذاكرين لله تعالى متدارسين لكتابه، وإما مادحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم متفقهين من سنته، كما كان أنعم الله عليه ذا وقار وسمت وحُرمةٍ تامة، حلو الكلام حسن البيان والإفهام، كثير التلاوة لكتاب الله تعالى ذا أورادٍ، غزير الفضل ذا رزانة وثبات، لا يكاد يَتكلم أو يُتكلم في مجلسه بكلمة إلا وتتضمن أدب نفس أو أدب درس، مجتهدا في النوافل مواظبا على قيام الليل، حتى بعد أن أقعده المرض في بيته في السنوات الأخيرة من عمره، نحسِب أنه كان على خير إن شاء الله تعالى ولا نزكي على الله أحدا.

واعترافا من أهل المدينة بفضله، قام المجلس البلدي لمدينة القصر الكبير سنة 1996 بتكريمه تكريما معنويا في أمسية دينية أقيمت على شرفه بالمسجد الأعظم .

توفي الفقيد عبد السلام نخشى رحمة الله عليه صبيحة يوم الأحد خامس عشر محرم سنة 1420هـ، الموافق لثاني ماي سنة تسعٍ وتسعين وتسعمائة وألف، ووري جثمانه الثرى بعد صلاة العصر من اليوم ذاته بالزاوية القادرية (قرب المسجد الأعظم)، وبرحيله فقدت المدينة أحد أبرز وجوه ورجالات العلم والصلاح والفكر الإسلامي المعتدل، الذين طبعوا تاريخها المعاصر بأخلاقهم و مبادئهم وتوجيهاتهم القيمة والتي لا تزال راسخة في نفوس الأجيال التي تربت بين أكنافهم  وتخرجت على أيديهم….

نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع