أخر تحديث : الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 11:47 مساءً

الحاج محمد الحداد .. مرمم ذاكرة القصر الكبير العمرانية

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 30 أكتوبر, 2013 | قراءة

كثير هم أولائك الذين يعملون في الظل، يقومون بإنجازات فكرية أو أدبية أو اجتماعية في صمت، دون إثارة ضجة إعلامية، أو حتى لفت الانتباه، فهم يقدمون خدمات جليلة للمجتمع دون حاجة إلى أضواء عدسات التصوير، أو تنظيم حفلات تدشين الأشغال، ولا يرغبون في تصدر صفحات الجرائد، لا يعملون من أجل الظهور أو استمالة عطف الناخبين، ولا من أجل تحقيق المكاسب أو الفوز بالكراسي والمناصب، فقط تحركهم مشاعر المواطنة الصادقة، وعمل الخير من أجل الفوز برضا الله ورضوانه.

نرمقهم أحيانا في زوايا أوراش الأعمال الخيرية، ونلمح أطيافهم في فضاءات المشاريع الاجتماعية والإنسانية، وعلى سبيل المثال فقط نرى في كل ركن من أركان المسجد الأعظم أطياف أعضاء اللجنة التي أشرفت متطوعة على إصلاح وترميم المسجد الأعظم بعد أن ظل مقفلا حوالي خمس سنوات، نرى طيف الأستاذ الجليل مصطفى اليعقوبي، والأستاذ الباحث محمد أخريف، والمقاول الحاج محمد الوهبي الحداد، والحاج الخليل الطرمباطي، والحاج عزيز المتوحدي المكزاري، كان هدفهم الوحيد الفوز برضا الله.

من بين أعضاء هذه الثلة الطيبة من أبناء مدينة القصر الكبير نخصص بعض السطور للتعريف بالحاج محمد الوهبي الحداد، العضو المشرف المباشر على سير الأشغال وتقنية الترميم، والإشارة كذلك إلى بعض المساجد التي تولى بناءها أو ترميمها فردا أو عضوا في لجنة. فمن هو هذا الرجل؟:

ج محمد الوهبي الحداد من مواليد مدينة القصر الكبير، بحي الشريعة سنة 1928 ميلادية، امتهن حرفة الدرازة في ريعان شبابه، غير أنه سرعان ما عرج عنها ليتعلم البناء وفن المعمار على يد المعلم أحمد السحيمي، وقد وجد نفسه في هذا المجال، وتفتقت موهبته في فن العمران، فأبدع كثيرا فيه تصميما وبناء، واشتهر في مدينة القصر الكبير بحسن المعاملة، والجودة في البناء، والمهارة في المهنة، وبفضل هذه الكفاءة المهنية، والجودة في الأداء، والثقة التي يحظى بها من طرف زبنائه وباقي سكان المدينة انتدب أمينا لمهنيي البناء، وخبيرا لدى المحكمة الابتدائية في مجال المعمار وتقييمه، كان شغوفا لدرجة العشق الصوفي ببناء المساجد وترميمها، دون أن يتقاضى أي أجر مقابل خبرته وعمله، أو تعويض عن أتعابه، وأجره في ذلك على الله.

ورغم سعة رزقه فقد كان ـ رحمه الله ـ يميل إلى الزهد في المأكل والمشرب، لا شحا أو تقتيرا، ولكن منهجا وسلوكا في الحياة، وكان يردد “إن الأنبياء لم يكونوا أغنياء” و “الله يحشرني مع الفقراء”، كان يحب الفقراء والمساكين، ويكفيه من متاع الحياة البسيط من الطعام واللباس، وعلى الدنيا العفاف، كما كان يحب مدينة القصر الكبير حبا لا يقاوم، ويعتز بتاريخها وتراثها وأهلها أيما اعتزاز، ومن أجل ذلك نذر خبرته وجهده لبناء مساجدها وترميمها، وتكفي الإشارة إلى ذكر أسماء بعض المساجد والأضرحة التي بناها أو رممها تطوعا لنذرك حجم حبه لبيوت الله، وتقديره لمقامات الأولياء والصالحين: منها بناء مسجد الولي الصلح مولاي علي أبي غالب ـ ثم ترميم ضريحه الذي كان آيلا للسقوط، بناؤه للمسجد المحمدي على أرض مهداة من طرف امرأة ذي أصول إسبانية ـ كان شرطها الأساس أن يقام على هذه الأرض مسجد للصلاة ـ بناء جزئي وترميم كلي للمسجد الأعظم، شمل إعادة بناء السقف، والزيادة في علو الصومعة، وإحداث جناح خاص بالنساء للوضوء والصلاة، وإحداث خزانة في الطابق العلوي من جناح النساء، وإعادة تزليج المسجد وباحته بالرخام والفسيفساء، وتغيير خشب السقف مع المحافظة على شكله وزخرفه ( من طرف المعلم النجار عبد السلام العرائشي)، كان تمويل هذا الورش الكبير من طرف المجلس البلدي الاتحادي للمدينة، ومساهمة المحسنين، وفي مقدمتهم الحاج محمد الحوات اعتبارا لمساهماته الكبيرة ـ ترميم مسجد السويقة الذي أضفى عليه حلة جديدة وجميلة ـ ترميم وإصلاح الولي الصالح سيدي أحمد التلمسماني ـ ترميم المسجد السعيد أحد معالم القصر الكبير التاريخية، مع إحداث جناح خاص للنساء بالطابق العلوي، وقد شارك في هذا الورش المتميز الأستاذ الباحث محمد أخريف، والأستاذ الإمام أحمد الجباري، أما التمويل فقد كان من طرف وزارة الأوقاف، والمجلس البلدي، ومساهمة المحسنين، وفي طليعتهم العلامة ج إدريس الطود رئيس المجلس العلمي للمدينة، لكترة وقيمة مساهماته المالية، ووضع إمكاناته المادية رهن إشارة اللجنة وطلباتها.

اكتسب الحاج محمد الحداد بفضل إرادته وعصاميته خبرة كبيرة في مجال البناء، وفن العمارة الإسلامية، والهندسة المعمارية، وخاصة ما يتعلق بالبنايات الأثرية، والمساجد والأضرحة، وقد انبهرت كثيرا ـ وقد تنبهر أنت كذلك ـ عندما كنت برفقته وهو يشرح لمهندس بلدية القصر الكبير بعد أن كان قد سأله عن أسرار وطرق بناء القبب والأقواس، وكيف كان يشرح المعلم ج محمد الحداد للمهندس المراحل الإجرائية لبناء القبة أو القوس، حسب أنواعها وأحجامها، ولعدم اختصاصي واهتمامي بالموضوع نسيت جل ما دار بينهما، ولم يعلق بين جفون الذاكرة إلا “أن هناك قوسا خماسي الزوايا، وقوسا ثلاثي الزوايا، وأن لكل منهما طريقته الخاصة لبنائه”، أما المهندس المعماري البلدي فقد كان يتلقف باهتمام كبير، وإعجاب لامتناهي كل جزئيات شروحات المعلم الحداد، ويدونها في مذكرته، راسما نماذج تقريبية لتلك الأقواس، فأدركت قيمة التعليم المهني من خلال الأوراش الحرفية التي تحتضن آلاف المتعلمين، وأدركت كذلك أن الخبرة تحصل في المدارس والمعاهد العمومية والخصوصية، كما تحصل في ميادين العمل وأوراش الحرف والبناء إذا توفرت الرغبة والإرادة لدى المتعلمين، كما أدركت أن التعليم الحرفي بطقوسه وخصوصياته يجب أن يظل حاضرا بجانب التعليم العمومي، موازيا للتعليم التقني، مع ضرورة تعليم رواده القراءة والكتابة، فبين التلميذ والأستاذ، وبين المتعلم والمعلم علاقة التربية والتعليم، سواء داخل القسم أو في فضاء الدكان والورشة الحرفية.

كان المعلم البناء ج محمد الحداد مدرسة لتعليم البناء، وخاصة فيما يتعلق بالبناء التقليدي العتيق، وكان رحمه الله يعمل كل ما في وسعه لتعليم تلاميذه تقنية ترميم البنايات التراثية، وأسرار الهندسة المعمارية الإسلامية، وخبايا المهنة، إلا أن جلهم انتقلوا إلى مدينة طنجة من أجل العمل بعد أن وافته المنية بتاريخ: 20 شتمبر 2007 بمدينة القصر الكبير، حيث دفن بمقبرة مولاي علي أبي غالب.

انتقل الحاج محمد الوهبي الحداد إلى جوار ربه الكريم، ففقدت المدينة ابنا من أبنائها البررة، وخبيرا متمرسا في الهندسة المعمارية الإسلامية، وغيورا على تراثها وموروثها المعماري التاريخي، ومرمما ماهرا لذاكرتها المعمارية الأصيلة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع