أخر تحديث : الإثنين 4 نوفمبر 2013 - 8:41 مساءً

“بريڭيدم ” أو نوستالجيا الضحك

ذ. عبد المالك العسري | بتاريخ 4 نوفمبر, 2013 | قراءة

تحتفظ ذاكرة” الحلقة ” بالقصر الكبير بأسماء عديدة  أثثت فضاءها على مر زمن طويل بالمدينة ، منهم ” القرية” ” ولد حليمة العويرة ” “استتيمانو””  قزدابو” “بريكيدم ” وغيرهم .. بالإضافة إلى بعض الحلاقية الجائلين الذين يأتون من مدن أخرى باعتبار أن جمهور القصر الكبير كان جمهور الحلقة بامتياز لأنها كانت تلبي حاجة له ـ الحاجة الى الضحك ـ

” بريكيدم” أو المختار الساحلي، ولد بعين قطاع بخميس الساحل بالقرب من مدينة العرائش هاجر إلى مدينة القصر الكبير وسنه لا يتجاوز الثالثة عشرة ، التقى بأستاذه في فن الحلقة  عبد السلام عروب الذي علمه فن الحلقة واطلعه على أسرارها واشتغل معه كمساعد، وحينما بلغ العشرين من العمر؛ استقل بحلقته  وتزوج  من سيدة من أحد غربية وهي السيدة رقية بنت علي التي رفض والدها تزويجها له لاعاقته، ولكن رقية تصمم الزواج بالمختار أو ” بريكيدم ” وهو الاسم الذي كان قد التصق به .
يحكي ابنه محمد ” بعد زواج والدي؛ هاجر إلى مدينة سلا وهناك بدأ حلقاته أمام قوس الملاح  بطريق سيدي موسى  في بداية ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى القنيطرة ومكناس ، خلال هذه الرحلة وقعت له طرائف عديدة أهمها أنه كان يقع ضحية للصوص؛ وتعرض للسرقة غير ما مرة “.

يعود ” بريكيدم” إلى القصر الكبير ويخوض غمار الحلقة .. كانت المنافسة شديدة بين أسماء تتقن فن الإضحاك ولكنه وجد مكانا له وكون جمهورا خاصا .. يقيم حلقته وحيدا مستعينا بأحد أبناءه الصغار..  يستعمل البندير فيما ابنه  يحمل طبلا صغيرا، كان يردد ” لا افاعي لي ولا قردة؛ لا أبيع دواء مغشوشا.. أداتي هي فمي” يرتفع إيقاع الحلقة حينما تمتلأ بالمتفرجين ؛ تتعالى صيحاته مرددة أغنية  مع لازمة “واخا وخا وخا” وكأنما يتوعد أحدا، أو “وايييه وايييه واييه ” .. ربما دلالة على الموافقة أو هي لازمتان لا معاني لها .
يطلب من ابنه أن يختار من بين البنات الصغيرات المتحلقات خطيبة يدور ابنه ويقع اختياره على طفلة .. تخجل الطفلة ولكن بريكيدم يمضي  موجها كلامه للناس ، مطالبا إياهم أن يساعدوه في جمع  مهر ابنه.. وهو المبرر الذي يجعله يدور ببنديره مطالبا المتحلقن بما تجود به أريحيتهم . أو  يلجأ إلى مشهد آخر، كان يغطي رأسه بمنديل ويصدر صوتا كصوت طفل صغير يبكي ، يوجه كلامه للمتحلقين ” هذا صبي صغير تركته أمه .. أعينونا على شراء الحليب له ” وما بين هذه المشاهد يلجا إلى”عيوع” “العيطة الجبلية ” أو يردد أغنية يحرف كلماتها مما يثير ضحك الناس ،   يقوم بحركات بهلوانية مستعينا بعصاه، ويرجع إلى جديته ويختتم حلقته بالدعاء لمن تصدق عليه ولمن لم يتصدق .

المختار الساحلي ربما قليل من الناس من يعرف إسمه الحقيقي، فالكل اجمع على مناداته” بريكيدم ” نسبة إلى أغنية   جبلية قديمة كان يرددها ، طغت الكنية على الإسم الحقيقي حتى ربما كاد ينسى اسمه ، تحتفظ الذاكرة القصرية بمستملحاته وقدرته  على الإضحاك وحضور البديهة والقدرة على الارتجال والمبادرة  وتحويل إعاقته إلى مجال للسخرية ، كما تذكر شكل الرجل المعاق الذي يستعين بعصا طويلة .
يتقدم المختار الساحلي  أو بريكيدم في العمر لم تعد قواه تساعده على العمل يعتزل الحلقة ويلزم بيته ، لايسال عنه أحد إلا مقربيه ، مات بريكيدم شتاء 2003 ، وغاب كما غاب فن الحلقة عن مدينة القصر الكبير…

.. إهداء إلى صديق الطفولة السي محمد الجباري
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع