أخر تحديث : الثلاثاء 31 ديسمبر 2013 - 3:01 صباحًا

الطود: الشيخ راشد الغنوشي كان علمانيا ولم تكن له علاقة بالإسلاميين

سليمان الريسوني | بتاريخ 31 ديسمبر, 2013 | قراءة

– ما الذي جعلك ترتاب في الاقتراح الذي قدمه إليك روني روديير (أحد أبرز فقهاء القانون البحري في فرنسا والعالم) والمتعلق بإنجاز أطروحة دكتوراه حول القانون البحري انطلاقا من التاريخ والأعراف الأمازيغية؟
– كان ذلك هو المناخ العام المهيمن وسط الطلبة والمثقفين الحاملين لوعي وطني تقدمي، فلم تكن المسألة الأمازيغية حاضرة في وعينا إلا كمؤامرة لتفتيت الوحدة الوطنية التي تعتبر اللغة والثقافة العربية إحدى أهم ركائزها. لقد كان تعصبي للعروبة موروثا عن والدي الذي سُجـِنَ بعد تزعمه مظاهرة صاخبة في مدينة القصر الكبير ضد الظهير البربري لسنة 1930، كما أن الأمير الخطابي، الذي كان عمي الغالي كاتبا له وابن عمي الهاشمي من مقربيه، كان أول من سمى الأقطار المغاربية بالمغرب العربي، بالرغم من كونه أمازيغيا، كما أنه هو الذي أسس جيش تحرير المغرب العربي… وقد دفعتني دعوة روني روديير، الذي كان مدير معهد دراسة القوانين البحرية، إلى العدول عن فكرة دراسة القانون البحري، والتوجه نحو القانون العام، لكن قبل الانخراط في هذا المسار تفرغت، لمدة سنة، لدراسة اللغة الفرنسية القانونية في «السربون 3»، وقد راقني ذلك، حيث كنت أعكف على ترجمة العديد من المصطلحات القانونية، التي درستها بالعربية، إلى الفرنسية.

– ألم يحاول الكاتب المغربي اليهودي، إدمون عمران المالح، الذي تعرفت في بيته على روني روديير، إقناعك بقبول طلبه إنجاز دكتوراه في القانون البحري انطلاقا من التاريخ والأعراف الأمازيغية؟
– لم يحصل ذلك إطلاقا، ثم إن إدمون كان نموذجا قلّ نظيره في الاعتزاز بمغربيته، فبالرغم من إقامته واشتغاله في فرنسا وزواجه من سيدة فرنسية، ظل يرفض الحصول على الجنسية الفرنسية، ولطالما عاتبه شقيقه أبراهام، الذي كان نقيبا للأطباء في فرنسا، على تعنته في رفض الجنسية الفرنسية، حيث كان أبراهام عمران المالح يكرر على مسامع إدمون: إن الجنسية الفرنسية ستساعدك على تحسين وضعيتك، كأستاذ فلسفة، برفعها إلى ضعفيْ ما هي عليه، لكن إدمون ظل على موقفه الرافض لجنسية البلد الذي يقيم ويشتغل فيه، حتى عندما طلبت منه فرنسا ذلك. وأذكر أنه اشتاق إلى المغرب في وقت من الأوقات، فذهب إلى السفير المغربي يوسف بلعباس، وصارحه بأنه يحن إلى البلد ويود زيارته، وأنه أوقف نشاطه في الحزب الشيوعي، وأنه يرفض الجواز الفرنسي، ثم طلب منه تجديد جواز سفره المغربي، غير أن السفير استمهله بعض الوقت حتى يتصل بالرباط، وبعد مضي فترة استجاب لطلبه.

– أثناء دراستك في باريس، وبحكم انتمائك إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تعرفت إلى البشير بنبركة، نجل المهدي بنبركة الذي تحمله، أنت وعائلتك، أوزار اختطاف واغتيال أفراد من عائلتك في فجر الاستقلال؛ كيف كانت علاقتك بالبشير؟
– تعرفت إلى البشير رفقة كل من محمد لخصاصي وعبد القادر باينة وعبد السلام نعمان وزوجته عزيزة. وبالرغم من أنني كنت حينها اتحاديا، فإن ذلك لم يزحزح قيد أنملة قناعتي بأن المهدي هو المسؤول الأول عما لحق بعائلتي من أذى. وقد كان ذلك يؤلمني، لكنني كنت أتجنب الحقد على البشير من منطلق الآية القرآنية الكريمة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، كما كان يخفف من حملي على المهدي بنبركة كونه هو الآخر اختطف واغتيل في 1965. وفي خضم هذا الصراع النفسي الذي عشته بين الاتحاديين في فرنسا، سوف يأتي زميل دراستنا خالد اعليوة ليخبرنا باغتيال عمر بنجلون في نهاية 1975.

– جئت إلى باريس من أجل متابعة الدراسة بمنحة خاصة من أمير دولة الإمارات العربية المتحدة، الراحل الشيخ زايد بن سلطان، حصلت عليها رفقة أخيك عبد اللطيف؛ ماذا كانت وجهة أخيك الدراسية؟
– عبد اللطيف سافر إلى إنجلترا قبل أن ينتقل إلى أمريكا، وذلك لنفس الغاية، أي الدراسة، حيث درس اللغة الإنجليزية في جامعتي كامبردج وبرايتون، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة لدراسة التربية والعلوم الإنسانية في جامعتي جورج تاون وجورج واشنطون.

– سبق لأخيك عبد اللطيف، أثناء الدراسة في دمشق، أن لعب بين صفوف المنتخب السوري لكرة القدم؛ كيف أمكن لطالب مغربي أن يحمل القميص الوطني لبلد آخر؟
– لقد كانت سوريا البعثية تؤسس تفردها الإيديولوجي على أساس قومي، وبمقتضى ذلك كانت تعتبر أن وجود الدول العربية القطرية مجرد مرحلة يجب أن تنتهي بتأسيس الوطن العربي الواحد. في هذا الإطار، لعب أخي عبد اللطيف بين صفوف فريق دمشق الأهلي لكرة القدم، وليس المنتخب القومي السوري، وقد خاض رفقة هذا الفريق، في ما أذكر، مباريات ضد فرق من كل من الاتحاد السوفياتي وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والعراق والكويت ولبنان، وأسس لاحقا فريق رابطة طلاب المغرب العربي.

– من جملة الذين درسوا رفقة أخيك عبد اللطيف في دمشق كان هناك الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية حاليا؛ كيف كان طالب الفلسفة الغنوشي، حينها؟
– كان عبد اللطيف بالنسبة إلي الأخ الأكبر والصديق المقرب، وكنت أهتم بكل تفاصيل حياته وأعتز بها، وكانت بيني وبينه مراسلة دؤوبة لا تنقطع، يحكي لي من خلالها عن أصدقائه المقربين وعن علاقاته وإنجازاته الكروية التي كنت أعتبرها آنذاك مفخرة؛ ومن جملة ما كان يحكي لي عنه، علاقته براشد الغنوشي أو راشد الخريجي، وهذا هو اسمه الحقيقي، الذي كان طالبَ فلسفةٍ علمانيا، مقبلا على الحياة، شأنه شأن زملائه في ذلك الحين، ولم تكن له علاقة بالسلوك أو الفكر الإسلامي الذي سينتمي إليه لاحقا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع