أخر تحديث : الأربعاء 8 يناير 2014 - 7:20 مساءً

الطود: أزولاي تدخل للسماح لإيميل حبيبي بدخول المغرب

سليمان الريسوني | بتاريخ 8 يناير, 2014 | قراءة

– ما حكاية أن أمن مطار الدار البيضاء منع الروائي الفلسطيني الكبير، إيميل حبيبي، من دخول المغرب بعد إدلائه بجواز سفر إسرائيلي؟
< حدث ذلك سنة 1993 عندما استدعي إيميل لحضور حفل صدور النسخة العربية من كتاب الحسن الثاني «ذاكرة ملك»، إذ تم احتجازه في مطار الدار البيضاء، لأكثر من ساعتين، بسبب جواز سفره الإسرائيلي، مما دفع عثمان العمير (رئيس تحرير «الشرق الأوسط» الذي حاور الحسن الثاني في هذا الكتاب)، باعتباره هو من دعا إيميل حبيبي، إلى الاتصال بأندري أزولاي الذي بادر إلى التدخل لدى السلطات المعنية. وقد تقبل إيميل الأمر بشكل عادي؛ وإن لم تخني الذاكرة، فإن أزولاي رافق إيميل إلى غاية فندق «روايال منصور» بالدار البيضاء حيث كنا نقيم.

– رفضت ابنتك ريم لقاء إيميل حبيبي كنوع من الاحتجاج على كونه كان عضوا في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، اِحك لنا تفاصيل هذه الواقعة..
< حدث ذلك سنة قبل وفاة إيميل، حين استدعيته للغذاء في بيتي رفقة الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي والكاتب لطفي الخولي والصحافي العراقي شاكر نوري الذي سوف يكتب عن هذه الحكاية في جريدة «القدس العربي».

– حدثنا أكثر عن موقف ابنتك وعن ردود فعل ضيوفك، ولاسيما إيميل حبيبي باعتباره المعني بذلك الموقف..
< عندما دخل إيميل حبيبي رفقة حجازي والخولي ونوري إلى بيتي، لاحظ حجازي أن ابنتي ريم لم تأت للسلام عليه، فقد كان يعرفها جيدا لأنها كانت صديقة حميمة لابنته التي كانت في نفس عمر ابنتي، كما كانت تحمل نفس اسمها: ريم، وكانت بينهما مراسلة دؤوبة؛ فسألني: أين ريم؟ فضحكت، وسحبته جانبا، وقلت له: ريم تقول إنها ترفض الجلوس مع شخص منتخب في الكنيست الإسرائيلي. حكيت له ذلك وضحكت وإياه ملء شدقينا. وأذكر أن ريم عندما علمت بمقدم إيميل حبيبي إلى بيتنا، قالت لي: بالله عليك يا بابا، كيف يكون ضميرك مستريحا وأنت تستضيف رجلا يشتغل مع الإسرائيليين؟ حينما حكيت هذا الأمر لحجازي، نهض وبحث عن ريم بين أرجاء المنزل، وقال لها: تعالي سوف تستفيدين. ثم أدخلها إلى حديقة البيت، حيث كنا نجلس، وتوجه إلى إيميل حبيبي بقوله: هذه ريم، ابنة بهاء.. لقد احتجت بقوة على والدها الذي استقبل تحت سقف بيته عضوا في الكنيست. انزعج إيميل بداية، ثم قال مخاطبا ريم: اسمعي يا ابنتي، أنا لست من الذين غادروا فلسطين بعد احتلالها مفسحين المجال للصهاينة المحتلين، بل إنني أوصيت، وأنا الآن في مرحلة متقدمة من مرض القلب، أن أدفن في مدينتي حيفا، وأن تكتب على شاهدة قبري عبارة: «باق في حيفا». ثم أضاف: ولو كان العرب قد فعلوا ما فعلته أنا في فلسطين، لكانوا بقوا إلى الآن في الأندلس. ثم أنهى حديثه مع ريم بقوله: لسَوْفَ يثبت التاريخ ما أقوله لك يا ابنتي. الآن، عندما أرى شاهدة قبر إيميل حبيبي وقد كتب عليها «باق في حيفا» أعرف أن الرجل كان قامة أدبية وفكرية وسياسية سامقة، وأنه كان يعني ما يقوله.

–  كيف كان إيميل حبيبي ينظر إلى المثقفين المغاربة؟
< لقد كان إيميل محبوبا لدى كل المثقفين الذين تعرفوا عليه عن قرب، فكان بعضهم يناديه «الطفل» لطيبوبته ولطفه وبساطته التي تصل أحيانا إلى حد السذاجة، والتي كانت تعكسها بعض أسئلته؛ فمرة أسرَّ لي قائلا: «اِسمع يا بهاء.. لقد أصبح محمد شكري كاتبا عالميا، متجاوزا كبار الأسماء الروائية في العالم العربي، لذلك حاولْ أن تجعله يكتب عنك». أخفيت انفعالي، لأنني كنت أعتبر أني لست في حاجة إلى من يكتب عني حتى لو كان إرنست همنغواي.. وكنت آنذاك منخرطا كليا في كتابة روايتي الأولى «البعيدون» وكنت واثقا من أنني أقوم بعمل سيكون له حضور وازن في المشهد الروائي المغربي، إلا أنني التزمت الصمت احتراما لحسن نية إيميل الذي كان معجبا بشكري الذي كان فعلا ذا حضور متميز و»حلو المعشر»، لذلك كان إيميل حبيبي يستطيب مجالسته (يصمت)، آه.. لكم تمنيت لو أن إيميل قرأ روايتي «البعيدون» التي حدثته عن كل تفاصيلها وشخوصها باستفاضة، وأنا أشارف على الانتهاء منها.

– سق لنا أمثلة على أسئلة إيميل حبيبي التي كانت تصل إلى حد السذاجة؟
< مرة، كنت أحدثه، ونحن على متن سيارتي، عن وفرة التساقطات المطرية التي تشهدها طنجة، فسألني بعفوية: هل لديكم مجارٍ للمياه؟ أجبت: طبعا لدينا. نظر من حوله وقال: كل هذه المساحات توجد تحتها قنوات لصرف المياه؟ قلت: نعم؛ وأضفت: كل المدن المغربية تتوفر على مجاري؛ فعقب: في الشرق لا توجد هناك شبكات مجارٍ بهذا الحجم، ربما يعود ذلك إلى ضعف التساقطات. إيميل حبيبي، وبالرغم من أنه كان شيوعيا ومسيحيا، غير ممارس للطقوس، فقد كان دينه ومذهبه هو أنه «دُغْرِي». كما كان له تعريف خاص به للجمال، حيث كان يعتبر أن كل صغير جميلٌ بالضرورة. ولم يكن هذا التعريف يقتصر على الإنسان فحسب، بل طال حتى المدن، فكان يقول لي: أصيلة جميلة لأنها صغيرة. لقد كانت آخر لحظة جمعتني بإيميل هي تلك التي جئت فيها لوداعه، هو وبرهان غليون، قرب مطعم «نكريسكو» في وسط طنجة. في لحظة الوداع تلك، لم يفت إيميل أن يعلق بمكر جميل عن تشابه اسمه مع اسم محمد حبيبي، المسؤول حينها عن «متحف القصبة»، فقال: لم أكن أعلم بأن لي أبناء عمومة في طنجة. بعد هذا الوداع، سأقرأ خبر وفاته وسأطلع ابنتي ريم على النعي، وعلى وفائه بما قاله لها حول وصيته بأن يكتب على شاهدة قبره: «باق في حيفا».

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع