أخر تحديث : الأربعاء 5 فبراير 2014 - 4:15 صباحًا

الطود: لهذه الأسباب جمع غارودي بين الماركسية والإسلام

سليمان الريسوني | بتاريخ 5 فبراير, 2014 | قراءة

– ما هي أهم المواضيع التي أثرتها مع المفكر الفرنسي المسلم، روجيه غارودي، خلال زيارتك له، رفقة الصحافي العراقي شاكر نوري، سنة 1997؟
< بالإضافة إلى حديثنا المطول والهام مع غارودي وزوجته بوليت عن إحكام اللوبي الصهيوني قبضته على الإعلام الفرنسي، تحدث غارودي عن مسألة تشييء وتسليع المرأة في وسائل الإعلام الغربية، بعدما سأله شاكر نوري عن رأيه في الموضوع، حيث رد عليه بسرعة قائلا: هذه حقيقة مؤسفة. ثم طفق يحكي لنا كيف أن الاستغلال البشع للمرأة في الإعلانات وغيرها بدأ يواجه أشكالا من الرفض والتصدي له من لدن العديد من النساء المعروفات. وأضاف بامتعاض: للأسف، هوليود أفسدت أذواقنا بأفلامها التي تتعامل مع المرأة كآلة إغراء جنسية. ولم يغفل غارودي الخطاب الفرنسي حول حرية المرأة، حيث اعتبره مبالغا فيه، بل زائفا، وأعطى مثالا على ذلك بقوله: في الوقت الذي لا يتوقف فيه الإعلام الفرنسي عن الحديث عن حرية المرأة والمساواة في الفرص، لا يوجد في فرنسا سوى 3 في المائة من النساء اللائي يشغلن منصب مدير شركة. وقد وصل بنا النقاش في هذا الموضوع إلى الكتب المقدسة، فقال غارودي: إن النظرة الدونية إلى وضعية المرأة في الإنجيل تكاد يكون ملغاة، عكس ما هو عليه الأمر في التوراة، حيث يشكر الرجال اليهود الله في صلواتهم لأنه لم يخلقهم نساء.

– ألم يصل بكم الحديث في هذا الموضوع إلى وضعية المرأة في الإسلام؟
< طبعا تحدثنا عن ذلك، وأذكر أن غارودي قال لنا إن أشكال اضطهاد المرأة آتية من تقاليد الشرق الأوسط والمجتمع اليوناني القديم.. فتلك التقاليد هي المسؤولة عن النظرة الدونية إلى المرأة في الشرق، كما أن كل القوانين والتشريعات التي وضعت منذ ستة آلاف سنة كان من ورائها الرجال.

– كيف؟
< (يحمل أوراقا سجل فيها بعضا مما دار بينه وبين غارودي في هذه الزيارة) لقد قال لي غارودي بالحرف تقريبا: لا دخل للإسلام في التشريعات المضطهدة للمرأة، فوضع المرأة في الإسلام أفضل مما هو عليه في المسيحية.. وكل التقاليد الموجودة في الشرق، وفي السعودية خاصة، لا علاقة لها بالإسلام. وأعتقد جازما أن انغلاق مختلف الأصوليات على ذاتها يشكل، اليوم، أحد الأخطار الكبرى المهددة للسلم في العالم. ثم أضاف: لقد سبق لي في الآونة الأخيرة أن خصصت خمسة مؤلفات لهذه الآفة، انتقدت من خلالها جميع الأصوليات، بدءا بالاستعمار الذي كرس أصولياته للدفاع عما كان يصفه بالهوية الوطنية والثقافية والدينية لفرض هيمنة نظامه الاقتصادي والسياسي، وكذا رؤيته للعالم.

– لقد كان إسلام غارودي محط نقاش، وأحيانا موضع رفض العديد من العلماء الأصوليين، ويمكن القول إن الرجل كان له إسلامه الخاص؛ ألم تناقشه في الأمر؟
< بلى. لقد كانت أفكار غارودي وهو يتحدث عن الإسلام جديرة بالاهتمام والتمعن، لغرابتها؛ فقد كنت أستمع إليه بينما يتداعى إلى ذهني ما قرأته من اتهامات موجهة إليه ترميه بالهرطقة وتحريف الإسلام، والحقيقة أن أفكاره تثير الدهشة فعلا، ولكنها الدهشة المحببة التي لا يمكن أن يثيرها سوى عالم ثاقب الفكر.

– سق لنا مثالا على ذلك؟
< أفكار غارودي تدافع في عمقها عن الإسلام الحقيقي وتشجب تلك التقاليد التي يريد البعض، بدافع المنفعة السياسية أو الاجتماعية أو عن جهل، نسبتها إلى الإسلام. لا تنس أن غارودي جاء إلى الإسلام حاملا معه إرثه الثقافي والديني. وبإطلالة على كتابه «البنوية، فلسفة موت الإنسان» الصادر في الستينيات، نلاحظ هجوماته على الاتجاهات التي تحاول إفراغ الماركسية من نزعتها الإنسانية -على حد تعبيره- كي تصبح علما محضا لا وجود فيه للإنسان سوى كشيء من الأشياء، ملحا ومؤكدا على دور الإنسان في صياغة المجتمع، ورافضا الحتمية المادية التي تلغي إرادة الإنسان وتعفيه من مسؤولية الاختيار الحر. ولعل هوس غارودي بالدفاع عن الإنسان كان ضمن البواعث التي جعلته يعتنق الإسلام مع بقائه ماركسيا بطريقته
الخاصة.

– حسب ما حكيته لي في مناسبة سابقة، فقد حدثت لك واقعة طريفة مع غارودي، حين منعك الحراس من دخول لقاء من تنظيمه في أحد المطاعم الباريسية؛ اِحك لنا تفاصيل تلك الواقعة؟
< في نهاية هذه الزيارة التي كانت في شهر ماي 1997، دعاني غارودي إلى حضور حفل غداء مغلق بأحد المطاعم الباريسية، على شرف إصدار كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل»، وطلب مني أن أؤكد له حضوري من عدمه، حتى يضع اسمي على لائحة الحضور المغلقة، وبرر ذلك بأنه يتلقى باستمرار تهديدات من طرف اللوبي الصهيوني، ولذلك فإن اللقاءات التي يحضرها لا تكون مفتوحة، لدواع أمنية. فاعتذرت إليه لأنني كنت أزمع السفر في نفس الموعد تقريبا إلى مدريد رفقة ابني محمد الذي كان برفقتي في باريس. لكنني عندما عدت ليلا إلى الفندق، أخبرني ابني بأن الطائرة لن تقلع إلا على الساعة التاسعة ليلا، ففكرت في عدم إضاعة اللقاء مع غارودي؛ لكنني تذكرت أن اسمي غير مدرج على لائحة المدعوين إلى الحفل، فخطرت لي فكرة.. حيث ذهبت في الصباح إلى أحد مختبرات التصوير واستخرجت الصور التي كنت قد التقطتها رفقة غارودي وزوجته في اليوم السابق، ثم قصدت المطعم الذي كان غارودي قد أعطاني عنوانه في قلب باريس. اتصلت بشاكر نوري وأخبرته بأنني سألحق به إلى الحفل. وعندما وصلت إلى المطعم، رفض الحراس السماح لي بالدخول بعدما لم يجدوا اسمي مدرجا في لائحة الحضور، فأخرجت الصور وطلبت من أحدهم أن يقدمها إلى غارودي ويخبره بأنني أمام الباب، فأخذها مني، وما هي إلا ثوان حتى خرج غارودي وعانقني ثم قدمني إلى مدعويه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع