أخر تحديث : الأحد 9 فبراير 2014 - 4:14 صباحًا

الطود: صنع الله إبراهيم قبل جائزة الرواية ثم عاد ليرفضها

سليمان الريسوني | بتاريخ 9 فبراير, 2014 | قراءة

– كنت حاضرا في مصر خلال مناسبتين روائيتين مثيرتين للجدل، الأولى هي رفض صنع الله إبراهيم لجائزة ملتقى القاهرة للرواية في 2003، والثانية هي اللغط الذي أعقب فوز الروائي السوداني الطيب صالح بهذه الجائزة في 2005 والذهاب إلى أن الذي كان يستحقها هو الليبي إبراهيم الكوني؛ اِحك لنا عن ذلك؟
دعني أبدأ من حيث انتهيتَ، فالطيب صالح شخص غريب في تواضعه، وهو أكثر المثقفين العرب الذين عرفتهم نكرانا للذات واعترافا بالآخرين. أما جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية التي فاز بها في دورتها الثالثة، سنة 2005، فقد كان مرشحا لها منذ دورتها الأولى، لكنه ظل يعتذر عن إدراج اسمه ضمن أسماء المترشحين. وهذا الأمر حدث حتى مع جائزة سلطان العويس الإماراتية التي اعتذر الطيب عن قبول ترشيحه لها رغم إلحاح كثير من المثقفين والأصدقاء عليه في الموضوع. وعند ترشيح الطيب صالح في 2005 لنيل جائزة ملتقى القاهرة قيل إنه قبل بذلك كنوع من إعادة الاعتبار إليها، هو الذي كان رئيسا للجنة تحكيمها في الدورة السابقة حين رفضها بشكل مفاجئ الروائي المصري صنع الله إبراهيم. لكن الذي حصل هو أن الطيب صالح سيجد نفسه في دورة 2005 أمام علم من أعلام الرواية العربية هو إبراهيم الكوني، فانحصرت المنافسة بينهما بعدما كان مرشحا كل من إلياس خوري وإدوارد الخراط وخيري شلبي وبهاء طاهر، وآخرين. وأثناء المداولات، اعترض بعض أعضاء لجنة التحكيم على أن يؤول الفوز بالجائرة إلى الطيب صالح بمبرر أنه انقطع عن كتابة الرواية منذ وقت طويل، لكن أغلبية الأعضاء أيدوا ظفره بها. أما رئيس اللجنة، الصديق جابر عصفور، فقد قرر الانحياز إلى إبراهيم الكوني، ليس لاعتبارات أدبية، وإنما لإحاطة عمل اللجنة بقليل من الجدل.

– ما حقيقة كون الطيب صالح أعلن في الكواليس تنازله لإبراهيم الكوني عن الجائزة قبل أن يفاجأ بإعلانه فائزا؟
ذهب جابر عصفور إلى إبراهيم الكوني وقال له إن لجنة التحكيم حصرت الجائزة بينكما، أنت والطيب صالح، ثم أضاف قوله: لقد أخبرت الطيب بالموضوع فقال لي: أنا لا أستحق هذه الجائزة، إذا ما قورنت بإبراهيم الكوني الذي راكم تجربة روائية كبيرة، لذلك فأنا أضم صوتي إلى من اختار إبراهيم الكوني. وبعد أن استمع إليه ابراهيم الكوني إلى جابر بتمعن قال له: أنا أصغر سنا من الطيب صالح، وقد تتاح لي فرص أخرى للفوز بهذه الجائزة، لذلك فإنني أتنازل للطيب، فهو روائي مقتدر ومثقف ثاقب الفكر.

– كيف حسم في أمر الفوز بالجائزة إذن؟
بعد ترفع كل من إبراهيم الكوني والطيب صالح، دخلنا إلى القاعة الكبرى لدار الأوبرا، في انتظار الإعلان عن الفائز، ولم يكن أحد منا يعرف لفائدة من ستحسم النتيجة.. كنت أجلس جنب الطيب، فالتفت إليه قائلا: السي الطيب -وكان يروقه حين أناديه أن يسمع مني هذه «السي» المغربية، فيرد علي توا: «السي بهاء»- من نصيب من ستكون الجائزة؟ فأجاب: من نصيب إبراهيم الكوني.. هو يستحقها عن جدارة، قبل أن يضيف: الكوني من أكبر الروائيين في العالم، وقد اختارته مجله «Lire» الفرنسية ضمن خمسين روائيا عالميا، قالت إنهم يمثلون اليوم «أدب القرن الحادي والعشرين». ومازلنا على هذه الحال حتى صعد وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، إلى المنصة، ومعه لجنة التحكيم، التي كان ضمنها الروائي والناقد المغربي محمد برادة، وأعلن: الفائز هو الطيب صالح؛ التفت إليه فوجدته واجما يلتفت ذات اليمين وذات اليسار كمن يبحث عن نفسه.. دفعته نحو المنصة، وعندما صعد إليها قال كلاما أبكى الناس: «لا يرتقي سلوكي إلى مستوى اسمي، فلا أنا طيب ولا أنا صالح». وبعدها بساعتين، اتصل بي الطيب صالح وقال: بهاء، التحق بي أنا في «غاردن سيتي» في حفل أقامه لي الإخوة السودانيون، حاولت الاعتذار إليه متذرعا بأنني رفقة أفراد من الوفد المغربي، فرد علي قائلا: يا أخي أحضرهم معك، حتى يفند السودانيون الاعتقاد بأن المغاربة وحدهم الكرماء. فما كان مني إلا أن اصطحبت الروائي الدكتور مبارك ربيع وحسن اليملاحي، وداهمنا حفل الطيب صالح الذي كان خاليا من المصريين عدا من عبد الرؤوف الريدي، المحامي المشهور وسفير مصر الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية، فأمضينا أمسية من أروع الأماسي، قبل أن نعود للاحتفاء الكبير بالطيب صالح في حفل عشاء نظمه على شرفه جابر عصفور مساء اليوم الموالي.

– قبل الطيب صالح الجائزة في دورتها الثالثة وأبكى الحاضرين في القاعة، بينما كان صنع الله إبراهيم قد رفضها في الدورة الثانية وتحدث عن بكاء الجماهير المصرية الجائعة..
غير المفهوم في رفض صنع الله إبراهيم لهذه الجائزة في دورتها الثانية، في 2003، هو قبوله الترشح لها، إذ إنه أعطى اسمه الثلاثي لجابر عصفور، وعندما أخبره هذا الأخير هاتفيا بفوزه بالجائزة شكره على ذلك. ثم إن الحقيقة التي أخبرني بها عصفور هي أن اختيار صنع الله كان من طرفه، ليكون عصفور قد تورط في دعم تتويج صاحب «تلك الرائحة»، وقد لاحظت كيف أنه أحس بجرح عميق بعد رفض صنع الله الجائزة بالطريقة التي رفضها بها؛ فعندما صعد إلى المنصة وأعلن عن رفضه الجائزة، تعالت القاعة بالصياح: اِنزعوا له المايكرفون، فيما أخذا آخرون يسبونه.. لكن وزير الثقافة قال: اُتركوا الرجل يعبر عن موقفه. أنا شخصيا لم أتفق مع صنع الله إبراهيم في استغلاله جائزة أدبية لتصفية حسابات سياسية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع