أخر تحديث : الإثنين 24 ديسمبر 2012 - 12:00 صباحًا

الــديوان

ذ. عبد المالك العسري | بتاريخ 24 ديسمبر, 2012 | قراءة

 

حي الديوان من أقدم أحياء المدينة إن لم يكن أقدمها ، يشكل إلى جانب حي القطانين والطابية وأحياء أخرى باب الواد إحدى عدوتي المدينة إلى جانب حي الشريعة ، وكأني به في ستينيات القرن الماضي . تلج الديوان من بوابة العطارين ؛ تمر عبر الشطاوطية والروابزية ، يسترعي انتباهك اليهودي ب”بيريته” السوداء الكالحة  تمر بجانبه، وتتوقف أمام حانوت با الوزاني بائع الحلويات على شكل برادات أو ديكة وأشكال أخرى؛ يكفيك فرنك “سنتيم ” واحد ، تعرج على المعبد اليهودي وتمر أمام فران الدريبة ، تلفح خياشيمك راحة الخبز.
تبتعد قليلا ، تنتصب حنينة اليهودية واقفة؛ لم تكن تلبس الحايك الأبيض مثل أمهاتنا؛ إنما تلبس تنورة سوداء تصل إلى صدرها المتدلي إلى الأمام ؛ ووجها الذي يشبه مقدمة سيارة قديمة ، تنادي على ابنها “كوطي ؛ الذي غالبا ما كان يرافق الطراح” تنيزو ” يوصلان وصلات الخبز إلى البيوت .
الذين يدخلون الدرب لأول مرة يعتقدون أن دار أمي العنبر نهايته ، ولكن ما إن تصل إلى نهاية الدرب حتى يظهر المنعرج الآخر في اتجاه درب عدة الذي يضم دار الساكني والصحراوي والفقيه الجزار ودرب العسري ودرب النمر ودرب هبوبة .
انها شبكة أخرى من الدروب تشكل شراين هذا الحي؛ تتلوى في هندسة افعوانية في اتجاه الفضاء الواسع أو تقود إلى فندق جناح أو في اتجاه منزل الشقيفي أو مجرد دروب طويلة مغلقة تغري “البراني “ولكنها توقفه عند الدار الأخيرة بمثابة سدادة للدرب .
كل صباح يخرج الفقيه الجزار وكأننا على موعد معه نتوقف عن ألعابنا ، نسارع لتقبيل يده البيضاء في لون الثلج والرطبة كالقطن ، يمد يده ولا تتوقف شفتاه عن التمتمة ، يمضي الفقيه الجزار يجتاز منزل الصحراوي ، حبيبة الشرادية تدخل رأسها من النافذة التي تعودت أن تنتصب بها ، يغيب الفقيه الجزار نعود إلى ألعابنا ، تعود حبيبة الشرادية تطل من نافذتها ، تشير وتغمز للمارة يدخلون ويخرجون إلى منزلها ونحن لا نبالي ، إنما كنا قد اتفقنا أن لا نقترب من عالمها . هل هو اتفاق ضمني أو وصايا الاهل ؟ هي بدورها ربما لم تكن تعيرنا اهتماما ، المهم أن سلاما عقد بيننا نحن الأطفال وهي ، كل ما كنا نشعر به أن اشياء قبيحة تمر بداخل منزلها ، ولكن والحق أنها لم تكن تؤذينا ، كانت تستحيي من الفقيه الجزار والفقيه الساكني ومن والدي الشريف العسري .
يرحل بعض الناس تباعا ، يرحل الصحراوي والخمسي والريفي ، يقرر والدي الانتقال إلى حي سيدي ابو رمانة .. لم أفهم هذه الرغبة المفاجئة …
ونحن نشد الرحال شعرت أنهم يقتلعون جذوري من تربة إسمها الديوان .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع