أخر تحديث : الخميس 12 سبتمبر 2019 - 1:09 صباحًا

راضية العمري : المرأة الكاتبة تعاني من تواجدها داخل مجتمع ذكوري

في هذه المقابلة الثالثة من السلسلة الحوارية، التي نسلّط الضوء من خلالها على كتاب وكاتبات القصر الكبير، نستضيف الأستاذة “راضية العمري”، التي تجيبنا عن تجربيتها الروائيتين، وعن جمعها بين مهنة المحاماة وحب الكتابة والإبداع، كما تشير إلى خصوصية كتابة المرأة المغربية، ومجيبة عن الإسقاطات المجتمعية التي تلاحق الأديبة المغربية بصفة عامة…

إليكم نص الحوار:

– راضية العمري؛ روائية مغربية، من مواليد مدينة القصر الكبير، و محامية متألقة، بهيئة المحامين بطنجة، لتكون روائية ومحامية، ما سرّ نجاحك في الجمع بين حقلين متناظرين؟ حدّثينا أكثر عن نفسك؟

كثيرا ما أعتبره من أصعب الأسئلة، رغم بساطته، لأن هذا النوع من الحديث، أعتقده يتطلب ممارسة قدر كبير من الصدق مع الذات، و الذي لا ننجح فيه دائما نحن معشر البشر. عموما، ورغم ذلك، سأقوم بالمحاولة، وأقول، بأنني ابنة هذه المدينة الصغيرة، “القصر الكبير”، لكنها كانت دوما كبيرة العطاء والإشعاع، أمارس الآن مهنة المحاماة، التي برغم السنوات غير القليلة التي قضيتها بها، لم تستطع أن تقتل شغفي الكبير بالكتابة والإبداع، وكانت البداية مع روايتي الأولى “مدن الحلم والدم”.
أتذكر جيدا، أني كنت طفلة قارئة بامتياز، شغوفة بالأدب والفكر، ورغم إنشغالاتي العديدة بعد ذلك، كزوجة، وأم لثلاتة أطفال، وممارِسة لمهنة تأخذ من طاقة ووقت صاحبها الكثير، إلا أنني لم أتوقف يوما عن القراءة ومحاولة الكتابة، وهذا يعني أن الإنسان لا يكتب من فراغ، وأن الفكر أخذ ثم تجاوز، بمعنى أن قراءاتي كانت كثيرة ومتنوعة، و في شتى مجالات الإبداع والفكر، وفي لحظة حياتية، تحققت فيها شروط فكرية ونفسية، قررت الاستجابة لشغفي الأول والحقيقي، وهو الكتابة الروائية.

– القانون حقل جامد وصارم، والمحاماة، مهنة قوامها المدونات والمواثيق، وكلاهما يقومان على التقيّد و الالتزام، في حين أن الأدب، محيط عميق، وحقل سلسل ومتساهل، لا يعترف بالقوانين، فأساسه الإبداع والتعبير والتحرر، فكيف صاغت راضية قوانين كتابتها؟ وأين تجد نفسها أكثر؟

أعتقد أن إصرارنا على أحلامنا، هو ما يميزنا، لقد كان لديّ حلم، وكان فعلا يؤرقني جديا، لأنني، حملته داخلي وبصمت لسنوات، ترددت كثيرا في الإفصاح عنه، ترددت مرّات، وتجاهلته مرّات، لكني لم أنجح في التخلص منه، كان عليّ أن أواجه نفسي بكل شجاعة، هل أنا قادرة؟ وكان عليّ أيضا الإجابة، وربما السر يكمن في الإصرار على الحلم، والذي ربما هو ما مكّنني من الجمع بين المتناقضين.
فعلا، القانون ذو النصوص الجامدة، واللغة والمنطق المختلف، والأدب والإبداع عالم رحب، من الحلم والجمال هو، العالم الذي لطالما أحببته واقتنعت بجدواه، وقدرته على تغيير هذا العالم، أليست الكلمة هي سر هذا الكون، ففي البدء كانت الكلمة، هي النور والضياء القادر على تبديد العتمة المحيطة بنا، ولذا اعتبرت أن انغماسي في مسؤولية الكتابة، أفضل ماحصل معي، في تجربتي مع الحياة.

– “ورود تحترق” ، روايتك التي صدرت في عامنا هذا، حظيت باهتمام النقاد، وبقراءات شتّى، ولعلّ أهمّ ما تمّ التركيز عليه، هو العنوان، الذي تمت صياغته صياغة شعرية صرفة، على أساس، أن “الورود” رمز صريح للجمال والحب، فيما أن “الاحتراق”، يوحي بالألم والتضحية وأيضا الفناء، فما سر جمعك بين النقيضين؟

تعرفون جيدا، أن الحياة مليئة بالمتناقضات، ولذا حين تجد في أي عمل إبداعي تركيبة من المتناقضات، فتيقن، أن لاشيء هناك غريب، هو التقابل الذي لابد منه، ليس كتقنية في الكتابة فقط، وإنما كتعبير عن مفارقات الحياة، المستعصية على الفهم أحيانا.
روايتي الثانية، “ورود تحترق” لم تبتعد كثيرا عن ذلك، ولقد رمزت لمجتمع المثقفين، بالورود في إشارة للقوة الناعمة، وفعل تحترق في الحاضر، بمعنى في طور الاحتراق، أي لم تحترق بعد، بمعنى لا زال هناك أمل، نطارده ونحاول الإمساك به، في ظل واقع مرير حقا، ويحفل بكل المثبّطات، وهو ما حاولت معالجته، من خلال أحداث الرواية وأبطالها، عن طريق إشارات تقابلية للمتضادات، سواء في روايتي الأولى، “مدن الحلم والدم” أو الثانية، “ورود تحترق”.

– ماذا يمكن لك أن تقولي لنا عن روايتك “مدن الحلم والدم”؟

لا أخفيك سرا إن قلت إن رواية “مدن الحلم والدم”، باعتبارها روايتي الأولى، لها مكانة خاصة عندي، لقد كانت رواية تشبهني كثيرا، كتبتها وأنا أمرّ بظروف حياتية صعبة، على المستوى النفسي، بالإضافة إلى أنها شكّلت لقائي الأول، مع القراء والنقّاد، وربما حجم الترحيب والاستحسان، الذي حظيّت به هذه الرواية، هو ما شكّل حافزا قويا للاستمرار، كما سبق وصرّحت بذلك، في مداخلتي عن تجربة الكتابة الروائية الأولى، بعيد الكتاب بتطوان بتاريخ 18 أبريل 2019.
هذه الرواية، وكأني أردت أن أقول فيها كل شيء، رغم أنها متوسطة الحجم، أو أقل، لقد عبّرت من خلالها عن انحيازي بشكل واضح للفقراء، للمرأة، للسلام، للعدالة، وأدنت العنف، والإرهاب بكل تمظهراته.

– منذ أن بدأت المرأة عملية الكتابة، وهي تعامل بحساسية مفرطة، فكانت تجد نفسها محاطة بأحكام مسبقة، لا تقبل النقاش، لعل أهمها، إسقاط حياة الأديبة الشخصية، على أحداث الرواية، فما موقفك، و ردّك على هذه الإسقاطات؟

دعنا نتفق على أن فعل الكتابة، هو ممارسة إنسانية لا جنس لها، وأن هموم الكاتب أو المبدع عموما، الوجودية والواقعية، هي هي، سواء كان رجلا أو إمرأة، لكن الملاحظ هو، أن المرأة الكاتبة تعاني من وضعية تواجدها داخل مجتمع ذكوري، يُميّز كتابتها عن كتابة الرجل، وهذا فيه إجحاف كبير، حتى إن تصنيف الكتابة النسائية، هو تصنيف مزيّف، وممارسة لتمييز من نوع آخر، يضاف لباقي أنواع التمييز.
هذا السؤال، يثير إشكالا مهما، وهو أن العقلية الذكورية، لا زالت تهيمن وبشكل مزعج على مقدرات النساء وإمكانياتهنّ ومكانتهنّ.
أعتقد أن المرأة الكاتبة، تعاني تشويشا كبيرا على هذا المستوى، بل عنفا نفسيا، بسبب الإسقاط، الذي يُمارَس على كتابتها، لأنه بالمقابل، لن تجد ذلك الإسقاط يمارس على الكاتب الرجل، وهذا أمر خطير، لأنه قد يشكل كثيرا من الرقابة الذاتية والداخلية لدى الكاتبة، تجعلها تنأى عن التعبير، ومعالجة الكثير من المواضيع، التي تدخل ضمن الطابوهات، في مجتمع منغلق نوعا ما، حتى لا توجه لها أصابع الاتهام، بأن ما تكتبه هو تعبير عن سيرتها الذاتية، المفارقة المحنة هنا، هي أن الكتابة حرية، أولا، لا يمكن أن يجتمع الإبداع والحجر الفكري والنفسي.
وفي هذا السياق، سبق وقلت بأن رواية “مدن الحلم والدم”، رواية تشبهني، ولم تكن أبدا سيرة ذاتية، ورغم أني أكدت هذا في أكثر من حوار، ولقاء نقدي، إلا أنني دائما أواجه بنفس السؤال، رغم أن مضمون الرواية، لا يمكنه بتاتا من الناحية الواقعية والمنطقية، أن يشكل سيرة ذاتية لي، لكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك استحضار كبير للذاكرة، واستدعاء لخبرات حياتية، شكلت تفاصيل كثيرة، ضمن أحداث الرواية.
فنحن لا نكتب من فراغ، نحن نستدعي كل شيء من داخلنا، ومما عايشناه أو شاهدناه عن قرب، وترك آثاره فينا، وساهم في انفعالاتنا الوجدانية.

– رأيك في المستوى الثقافي للقصر الكبير؟

شخصيا، أعتبر مدينة “القصر الكبير” مدينة مدهشة، تضم المفارقات الواضحة، فعلى المستوى التنموي للمدينة، فهي تعيش بؤسا ملحوظا، ويحز في النفس، لكنها كطائر الفينق، تنهض من الرماد، لأنها على المستوى الثقافي، إشعاعها يضاهي أحيانا أكبر المدن، رغم صغر حجمها، وتعرف حركة ثقافية ملفتة، ولها من أبنائها الكتّاب، والمبدعين، والعلماء، ما يجعلها تزهو وتفخر بنفسها، وبفضل عدد لا يستهان به، من مثقفيها ومبدعيها، الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية الهم الثقافي.
أعتقد، أن إشعاع المدينة الثقافي، يتجاوز بكثير الإمكانيات المتاحة في هذا المجال.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع