أخر تحديث : الأحد 31 مارس 2019 - 11:56 مساءً

قصة : عودة الود المفقود

ذ . الطاهر  الجباري :

انها لا تجعلني أن أتودد اليها ، كيف أتودد لانسانة وجهها مفطور على التعبس ، وغبش يَقِبُ في قسمات وجهها كما يَقِبُ الخسوف بظلامه في وجه القمر . وترتعد النشوة في القلب ، ويرمي هذا الغبش نباله المقيتة كأنما هي من سيول لزجة من قطران أَسْقطَها في مهجة قلبي الرحيب ، فيتقلص النبض شارداً ويسقط متهاوناً في لحاف الصمت المميت كما تسقط ورقة الخريف منكمشة في ضمور متراخية في ذبول ثم تتمرغ بين خشخشة أكوام الأوراق الممتقعة بصفرة اليُبْس .
وأضع حدّاً من مكوثي المدلج في البيت ، فأنطلق خارجا منه مسرعا على عتبته وأنا أنفث أنفَاسي طرْحا من صدري فتسبقني بلهاتها في عجلة الى خارج البيت كما تنطلق القاطرة مسرعة على طول قضبان السكة وهي تنفث صفيرها الصاعق قذفاً به من فوهة البوق خارجةً في اندفاع من ظلمات النفق .
اعتاص علي أمري ..والتوى .. ولم يعد هذا الأمر على حبل ذراعي .. أتيه في الطريق .. لا ألوي على شيئ .. لم أجد مساغاً إلى بغيتي .. ولا مجازاً إلى حاجتي .. ولا طارقاً يؤنس وحدتي .. ولا صارفا يصرف عني بلائي .. فابتهلت إلى ربي وتضرعت
إليه أن ينزل السلام على قلبي.
وسقط الليل في جرابه المظلم .. وكانت الليلة أشبه بالهذيان الملتهب بكوابيس متسمرة اشتعلت محمومة في أوصالي وأنفاسي .. فهل غداً ترضيني الطبيعة بعرض ألفِ شيئٍ جميل ؟
وتمزف ستر الليل .. وانتصب الصباح وتنفس بشمس مزهرة تموجت لعيني كأنها فص ذهبي اهتزت عليه هنا وهناك سنابك ملونة من الشعاع الفاقع الناصع ، وامتدت عيني الذابلتان الى تلك السنابك الذهبية فأدركتُ منها الجمال الطبيعي في كل أشكاله ترامت خيوطها الملونة على كل عناصر الطبيعة فأسْلى ذلك غمي وأجْلى كربي وثلج به صدري .. إن إدراك الجمال الطبيعي في انسيابه متعة للروح .. ومتاعها الانسانية .. وسيمفونية رائقة جلية وضعها الله في كلام جميل بين الطبيعة والإنسان .. فتكلمت الطبيعة بنسيم العطر ..وبنفح الزهر .. وبشدى الطيور .. وبكل سجاياها البديعة .. وتكلم الإنسان بروعةالشعر .. وبجمال الغزل.. وبلوعة الحب .. إن سر هذا الحوار الخافت الندي تدرج في مدارج الزمن وأنا ككل الناس من مدارج هذا الزمن ، فكيف أغفل عن جمال هذه الحقيقة المتجسدة في هذا الحوار السرمدي بين الطبيعة والإنسان ؟ .
إلى أين أيتها النفس ؟ ارجعي إلى هذه الحقيقة الجميلة ، ما لك تلهتين من الجهد والإعياء من أجل وجه عبوس غضن تكسر وتجهد من الهم والكرب؟ ، فالطبيعة مدت إليك ذراعيها بمظاهر الخير والجمال وصوَّرتْها في روعة الفطرة والحقيقة ومزجت بهما لك ماء الحياة .
فانتصبت سعيداً .. وجاءت هي إليَّ على خفر تسعى .. وأطرقت مليّاً .. وغرقت في صمت كأنما تبحث عن كلمة تحرك بها شفتيها ، فبادرت :” لا تجعل النوى يفرقنا ” فراحت يدها تجتاز بها على ذراعي وخصري وتمسح بأخرى على رأسي .. وقد اغرورقت عيناها وألقت وجهها بين كفيها ثم رفعته معتذرة في ابتسامة متوهجة تفيض بالأمل المشرق الجميل .. فكان بهذا الأمل عودة الود المفقود ..


 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع