أخر تحديث : الإثنين 11 مايو 2020 - 10:27 مساءً

دار وحكاية : 9 _ دارنا صمام أمان

دار وحكاية ، حلقات رمضانية بعدها الأستاذ عبد المالك العسري : يستضيف اليوم الأستاذة إنصاف القجيري _ دارنا صمام امان 

*****

حكاية دارنا ، أفضل هذه الصيغة ،لأنها تشعرني بالامتلاء بكل معاني الطمأنينة والأمان ، تعيدني إلى مرحلة يتطلب الحديث عنها الكثير من الشجاعة والإعتذار لجدران احتوت واحتضنت وطالها النسيان ،وكان التعامل معها بعيدا عن الإعتراف بالجميل .
بمنطقة الشريعة تنفرج دارنا على ساحة المرس ، متكئة على ضريح جدي سيدي محمد القجيري الذي كان يعكس عليها هيبته، ونعتت بذلك “دار الزاوية “.
اجتازت مراحل عبر تاريخها الطويل الذي كان يفرض تغيير معمارها وفق الوضعية الثقافية للقاطنين بها .
تنقسم إلى جزأين ،الدويرية وهي عبارة عن مساحة صغيرة تشمل المرافق الضرورية ودرج يؤدي إلى غرفتين بل مصريتين ،الأولى طويلة ضيقة تشرف على الحي من خلال شق في الجدارأطلق عليه مصمموه “شق خيارة” وهو شكل هندسي لن تستطيع رؤية العالم الخارجي من خلاله وإن حاولت ،لأن دوره ينحصر في تسريب الشعاع لاغير .
المصرية الثانية كانت كبيرة توجد بها سهوة هي بمثابة مخزن للمؤونة السنوية ، وبين هذه وتلك يوجد كانون كبير وقمقم لتسخين الماء .
أما الدار الكبيرة فندخلها عبر ممر طويل يؤدي إلى صحن واسع تتوسطه شجرة التين المباركة –كرمة – وبجانبها بئر، محاطة بثلاث غرف كبراها كانت لها هالة خاصة من خلال الكرة الحديدية التي وضعت في تجويفة قاعها ، وسبحة كبيرة الحبات معلقة على الحائط ،هذه الغرفة سجلت الكثير من الحكايات والمكرمات بشهادة ضيوف قضوا ليلتهم فيها ، ولا زلت أتذكر سيدة مجدوبة تدعى للا فاطمة غيلانة كانت تقتحم الدار وترفع شمائلها البيضاء وتركع عند المدخل مرددة تمتمات لا تفهم وتغادرها .
استقر بنا العيش في هذا المكان ردحا من الزمن تجوب الصوفية بين جنباته ويستقبل المحبين والمريدين خاصة الشرفاء الحسونيين أبناء سيدي عبد الله بن حسون من سلا .
بعد عودة والدي رحمه الله من القرويين انطلقت مرحلة جديدة ما يهمنا منها هو مايتعلق بالدار محور موضوعنا التي شملها التغيير وكانت أولى علاماته جريمة في حق الماء والخضرة حيث اجتثت الكرمة وطمرت البئر ، ولم يبق من شاهد عليها سوى قطع من الزليج مختلفة مابين الأبيض والأسود الذي غطى الأرضية عوض المزيهري وبقيت هذه الزليجة كمعلمة مقدرة يجلس عليها الأطفال أثناء الإحتفال بصيامهم الأول .
أضيف ركن رابع وهو عبارة عن غرفة دون واجهة تستند على ساريتين وكأنهما طائر فقد جناحيه ،لذلك – على ما أعتقد – كان يطلق عليها اسم البرطال أو المقعد وهي تسمية أقرب الى الصواب لأنها فضاء مشترك يقعد فيه كل من خرج من غرفته .
أما المصريتين فقد تم إصلاحهما وتغير شكلهما وعوض شق خيارة بنافذتين واسعتين ،إلا أن استغلالهما غير وارد لأن الخروج إلى الشارع كان أهون من التطلع إليه من خلالهما .
وانطلقت مرحلة ثالثة وأخرى وأخرى ، وتواترت الأجيال في أسرة ممتدة كان حضور الأنثى فيها طاغيا والساحة لا تخلو من صراعات حول الزعامة من خلال استعراض المؤهلات الموروثة والمكتسبة .
وطبعا وفق السنن الكونية تطورت الحياة وتطور معها نمط العيش وحدث هناك انفتاح على العالم الخارجي والتوق إلى الحرية ….. وأصبحت تختلف الدندنات بين البردة والهمزية وشمس العشي والنار الحمرا وأفديه إن ضيع الهوى وأضيعه .
فتحت عيني وقد تفرعت الدار الى دور أخرى وتمسك والدي رحمه الله بالعيش بالدار الكبيرة ،اقتناعا منه أنها صمام أمان لنا على مر الزمن .
ومهما حدث من تفرقة، تمتعنا بالترابط الذي بقي سائدا ، فالأمهات كن كثيرات ، ونحن نرتع بين هذه وتلك نغرف الحب بكل انواعه .
كنت ألجأ إلى للا غزالي لتحرك الخيط في ثقب أذني وتدهنه بزويتة كل صباح ،وأثق في عمتي لتنزع سني المهلهل وتلقنني القولة الشهيرة ” سير آسنة الحمار وأجي آسنة الغزال ” وأذهب عند غزالي لتقيس لي القفطان الذي سألبسه حين أكمل السابعة من عمري ،”غايتو ” كما كنت أسمع من للا عند نهاية كل حديث
الدور القديمة لم تكن كبيرة بمساحاتها ،انما شامخة بقيمتها المعنوية وأيضا لم تكن حيطانا ، بل أحضانا احتوت الكثير من القيم وربت أجيالا سليمة متوازنة

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع