أخر تحديث : الجمعة 15 مايو 2020 - 9:29 مساءً

سرديات :يوم خاص une journnée particulière أو اختطاف

كثيرة هي الأيام التي أشعر فيها بالملل،الرتابة و الروتين.
كان ذاك اليوم خريفي، و كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية ،تتوجع دون أن تهطل الأمطار،و كأنها امرأة حامل في لحظات الوضع المؤلمة.
كانت الرياح تهب باردة ،فيما أوراق الشجر الذابلة تسقط بين الفينة و الأخرى من أغصان الشجر و تدحرجها هبات الريح المتقطعة ،مما كان يضفي على المكان و الزمان بعض الحزن.
استيقظت في ساعة متأخرة، لأنني سهرت كثيرا في الليلة التي سبقتها ،منهمكا في قراءة الرواية الشيقة : ” الجريمة و العقاب ” للروائي الروسي : ” دوسويفسكي”.
لم تكن لدي شهية للأكل ،علما ان طعام الفطور عادة يشهيني و يعجبني .
تناولت حبات من الزيتون ،و قطع صغيرة من ” الجبن البلدي ” و ارتشفت قهوتي ،ثم انزويت في ركن آخر من المنزل ،بحثا عن انشغال أجزي فيه الوقت.
تذكرت أن جريدة الأمس بها ركن ل ” الكلمات المتقاطعة “،و إن كنت لا أحتمل هذا التمرين ،لأنني أعتبره يقتل طاقة لاعبيه و يضيق قاموسهم اللغوي ،حيث يعيدون استعمال نفس المفردات ،فضلا عن كوني لا أطيق لعبة قد تطول بعض الوقت.
إلا أنني و نتيجة الفراغ الذي أشعر به قررت خوض المغامرة و محاولة ملإ الشبكة المقترحة.
قضيت جل الوقت شاردا ،و بالتالي لم أتمكن من تعبئة أية خانة منها.
رميت ما كان بيدي ،و اتجهت لمكتبتي من أجل انتقاء كتاب أقضي فيه وقتي، شريطة أن يكون رواية أو مضمونا خفيفا لأني كنت متعبا و مرهقا.
لم أُوَفَّقْ في اختياري ،و أدركت كذلك أنني كنت لا أرغب في إضافة أي معلومة أو فكرة لأن عقلي كان ثقيلا ،متوقفا و مسدودا.
أعددت فنجان قهوة أخرى – و كنت مدمنا على تناولها – و قررت تناولها بشرفة الطابق الأول من منزلي.
تأملت المارة بالزقاق ،عمرانه و السيارات التي كانت تمر به ،و كأنني حديث العهد بالسكن فيه.
انتبهت إلى العمارة المقابلة لمنزلي، فرأيت نوافذ إحدى الشقق مفتوحة عن آخرها ، و كان يبدو من خلالها ، بين الفينة و الأخرى ، أحد الأشخاص يخطو مهرولا في كل اتجاهات بيته.
كان هذا الجار معروفا في الحي بنشاطه السياسي و معارضته للنظام. و في نفس الآن كان لطيفا، جديا، مستقيما ،قليل الكلام مع الجيران .
كان متوسط القامة ،ممتلئ الجسد ،أصلع الرأس ،يعلو شفته العليا لفمه شاربان كثيفان و سوداوان .
كان بين لحظة و أخرى يطل من إحدى نوافذ منزله و يلتفت يمينا و يسارا ،و كأنه ينتظر أحدا.
فجأة ظهرت زوجته ،كانت مضطربة ،تتبعه إلى كل أركان البيت الذي يقصدها ،مهرولة و منفعلة و تحدثه بعصبية زائدة.
كانت تلك السيدة نحيفة، أطول بعض الشيء من زوجها ، و كانت قد بدأت بعض مظاهر الشيخوخة تجتاح جسدها.
قررت أن اتحول بنظراتي إلى جهة أخرى من الزقاق و أن لا أركز و أتلصص على الجار ،إلا أنني كنت انهزم و أعود ثانية أسترق النظر إليه.
أصبحت منشغلا بما أشاهد ،و انتابني شعور غريب أحسست من خلاله أن شيئا ما سيقع.
بعد برهة ،بدت زوجته ، من إحدى نوافذ المنزل ، تفتح بابه ،فدخل 4 أشخاص كانوا غلاظا و تبدو عليهم مظاهر الخشونة ،و يضع جميعهم نظارات شمسية سوداء.
و وقفوا يتحدثون مع الجار ،الذي كان يبدو عليه الخوف و الارتباك .صفعه أحدهم و أعادها ثانية ثم صفدوه ،و انهالوا عليه بالضرب .
اقتادوه و الدم ينزف من مختلف أنحاء جسمه ،إلى سيارتهم التي كانت مركونة بباب منزل الناشط السياسي.
أركبوه بالقوة و هو يمانع .
انتابني غضب شديد و غيض مفاجئ،أردت أن اوقف ذلك الاعتداء الممارس على جاري الوديع .
لم اكن أدري بأية طريقة ،و اهتديت أخيرا إلى أن علي أن اصيح وألفت نظر المارة و سكان الحي إلى الجريمة التي كانت تقترف و هي اختطاف ناشط سياسي . و فكرت أن صياحي سيكون سببا في فضح المخبرين / المختطفين، و سيفرجون عن الجار.
بعد لحظة وقفت في شرفة منزلي و صحت بأعلى صوتي :
“أيها الناس ،إن جرا لنا تعرفونه جميعا ،تم الاعتداء عليه في عقر داره من طرف غرباء و أمام زوجته ،و الآن ها هم يأخذونه إلى جهة غير معلومة للإجهاز عليه “.
ألتفت بعض المارة إلى الجهة التي كان ينبعث منها الصياح ،ثم أكملوا سيرهم إلى الاتجاهات التي كانوا يقصدونها.
في هذه الأثناء رفع الجار نظره نحوي ، كانت عيناه و كأنها تتوسلاني من أجل القيام بأي فعل من شأنه أن يوقف ذلك الاعتداء.
حاولت فضحهم بصوت مرتفع أكثر من مرة و إرباك هؤلاء الزوار / الغرباء / المخبرون ،إلا أنني لم أفلح ،فبينما كنت أصيح، انطلقت سيارتهم بمعية جاري بسرعة فائقة إلى اتجاه مجهول.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع