أخر تحديث : السبت 2 مايو 2020 - 12:16 صباحًا

سرديات : ” تعوزني كلمات”

بالفعل، تعوزني أخي كلمات تسعفني على استعادة مشهد منقوش في الذاكرة، وعلى إبداع حياة أخرى لأتذكرك أخي. ولربما امتطيت صهوة الكتابة انطلاقا من هذا العوز بفعل إلحاح ذكراك. رغم أني لا أتذكر مشهد لقائنا الأخير، لا يمكن أن أنسى لما كنت في الثانية عشر من عمري وكنت أنت في عامك الثالث. لا زلت أذكر لك ابتسامتك المشرقة وعينيك الواسعتين وهدوءك الجميل. تمنيت لو أمهلك القدر قليلا لأعيد النظر في عينيك مرات ومرات دون أن أمل من التملي ببريقهما الأخاذ والتمتع بسحر بهائهما.
فكرت مليا هذه الأيام في تفاصيل الحياة القصيرة التي جمعتنا قبل أن يتخطفك المنون على حين غرة، ويتوقف حلمنا المشترك قبل أن يكتمل. من منا يشبهك في حسنك وبهائك وجمال عينيك؟ هل لك زوجة وأولاد في مقامك الجديد؟ هل هناك تشابه بيننا؟ بيني وبينك، بين زوجتي وزوجتك، بين أبنائي وأبنائك؟ هل سيستمر الحب الطفولي الذي جمعنا على شاكلته الأولى؟
أذكر أخي أن صورتك الثاوية في الذاكرة لازالت تتلألأ أمامي، وأنت تهرول كالطيف الجميل بقامتك القصيرة قياسا إلى قامتي، ضاحكا متوسلا، معربا لي بعذوبة لا مثيل لها، عن رغبتك في أن تكون محمولا على الأكتاف. يحضرني هذه اللحظة مشهد تلك الليلة التي دخلت فيها إلى المستشفى بعد نزلة برد ألمت بك. لم أعد أذكر من تكفل برعايتنا ليلتها ولا كيف قمنا من النوم. عندما كنا على مائدة الفطور في الصباح، إذا بوالدينا يعودان دون أن تكون أنت برفقتهما. انتابني ساعتها شعور غريب. أحسست أنني لن أراك فيما بعد، وهكذا كان.
ذهبت بمفردي إلى المستشفى لعيادتك. اصطدمت بصلافة البواب. كان قابعا خلف باب حديدي صدئ، يغطي رأسه طربوش أحمر، عيناه جاحظتان وفمه مطبق، تعلو محياه صفرة الموت. يمسك بيده حزمة من المفاتيح الوسخة. على لسانه لازمة واحدة: ممنوع الزيارة.
شاءت الأقدار أخي العزيز أن يتوفى بواب المستشفى، ويلتجئ إلي ورثته لمساعدتهم، فلم أبخل عليهم كما فعل معي مورثهم. هل علمت لماذا فعلت ذلك؟ فعلته إكراما لك أخي، واستدرارا لرحمة الله على روحك الطاهرة، وليقيني أن ذلك، بالضبط، ما كنت ستفعله أنت لو كنت مكاني.
لم أرك أخي وأنت طريح الفراش في المستشفى، ولم يسمحوا لي برؤيتك وأنت مسجى على نعشك، لكن أحتفظ بمشهد وجودي في الحمام وأنا أجهش بالبكاء، وبقدوم أفراد العائلة من مدن أخرى، لم يكونوا ليأتوا بتلك الكثرة لولا حدوث أمر خطير، وزاد من خطورته أننا لم نذهب إلى المدرسة في ذلك اليوم. رأيت أفرادا لم يسبق أن رأيتهم من قبل، يملأون أركان البيت كله. نحن الأطفال، تم استدراجنا إلى خارج البيت، حيث تجولنا بصحبة إحدى صديقات أمي. استجابت لكل طلباتنا إلى أن عدنا إلى البيت ليلا ونحن نغني.
لم يسمحوا لنا أخي بالبكاء عليك ولا بتوديعك، كان علينا أن نظل فرحين ولاهين، بمعنى كان علينا أن نظل أطفالا.
عدنا في اليوم الموالي إلى المدرسة. لم أخبر أحدا من زملائي بوفاتك. كلمتهم كدأبي على ذلك عن شقاوتك وخفة دمك. تماديت في التحدث عنك كأنك لا زلت بيننا حيا ترزق. ابتدعت لك حياة أخرى. ربما من يومها كان مقررا لي أن أشرع في الكتابة لأبتدع حيوات أخرى. ربما كلما داهمتني ومضات الطفولة كنت بصدد استعادة مشاهد من ذكراك.
إن اعتقدت أني في سن الثانية عشر كنت أعرف كل شيئ ويمكن أن أتكلم في كل شيئ، فربما لأني أفكر فيك، وأفكر في، وأفكر فيما قالوه لنا، وفيما قلنا لهم، وفيما أردت قوله حينها، وفيما لا أعرف لحد الساعة متى وكيف أقوله.
في بلد لم تكتب لك مواصلة العيش فيه، لا زلت أنا أبحث عن كلمات، أسخرها لوصف تلك اللحظات السعيدة التي قضيناها معا في بيتنا البسيط بحومة اسكرينيا ونحن نلهو ونلعب ونتشبث ببعضنا، كأننا لن نفترق أبدا. ربما لهذا سأكتب وسأواصل الكتابة، مستلهما ذكراك، مرتويا من إلهام نسيمك العليل، بادلا كل ما في وسعي لأغمرك بفيض من من المعاني والكلمات.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع