أخر تحديث : السبت 2 مايو 2020 - 12:07 صباحًا

حمام الخليفة

-1-

بعد غيبة دامت عقودا من الزمن، زرت حمام الخليفة. اختفت الصناديق الخشبية المعلقة في الجدران، حيث كان المستحمون يودعون ملابسهم. توارت الدلاء الخشبية والمطاطية وعوضتها أخرى بلاستيكية. اختفت كثير من الوجوه التي كانت تعمل بالحمام وتضفي على المكان حيوية وألفة: أين با العلمي وبا الصرصري وبا عبد السلام….

تذكرت أحوال الحمام، خاصة في يوم السوق الأسبوعية وبمناسبة الأعياد الدينية. كان سكان البوادي المحيطة بالمدينة يقضون اليوم بأكمله في الحمام، يأكلون الخبز والعنب أو الخبز والزيتون، أو الخبز والتين، والبيصارة، ويشربون اللبن، ويأكلون البرتقال. يحملون خلافاتهم معهم ليتداولوا بشأنها داخل الحمام. يتخاصمون، يتبادلون السباب. وقد يتشابكون بالأيدي ويتبادلون الضربات. أحيانا تصل أصداء هذه المعارك إلى المحاكم.
يتحول الحمام إلى حلبة للعراك والتراشق بالاتهامات. إلى مسرح لعرض المشاكل على أنظار باقي المستحمين. ينقسم المستحمون حينها إلى متعاركين ومتفرجين. يتسلى البعض بما يعرض أمامهم من خصومات ومصالح متضاربة. يتخلص البعض الآخر من خلافاتهم كما يتخلصون من أوساخهم. يخرج الكل من الحمام خاليا من الأوساخ والمشاكل والخصومات. يعودون في مناسبات أخرى إلى الحمام، بحثا عن حلول لمشاكلهم الصحية والاجتماعية، وتزجية وقتهم وتأثيث فضاء حياتهم.
يعرف حمام الخليفة عادة ازدحاما كبيرا مساء الخميس وصبيحة يوم الجمعة من كل أسبوع، نظرا لإقبال الناس على الاستحمام استعدادا لأداء صلاة الجمعة في المسجد، وكذلك في الأيام التي تسبق الأعياد الدينية، حيث يستعد الناس بالاستحمام لاستقبال يوم العيد وهم يرتدون أحسن ثيابهم. وفي تلك المناسبات تتصدر الحلويات التقليدية، بأنواعها المختلفة، مائدة الطعام في الحمام.

-2-

في زيارة حديثة إلى نفس الحمام، بدت فروق واضحة في اهتمامات المستحمين بين الأمس واليوم، فبينما كان مستحمو الأمس يتناولون في أحاديثهم مشاكلهم الخاصة وخلافاتهم الشخصية، نجد أن مستحمي اليوم يتناولون مواضيع تهم أمورا عامة عن الشباب وإدمانهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وانصرافهم عن دراستهم رغم توفر الوسائل وتيسير السبل. وكذلك المشاكل التي تعترض تطور مدينتهم وتعرقل مسيرتها التنموية، وكيف أن أبناء المدينة هجروها وسلموها على طبق من ذهب إلى كل من هب ودب ليتعلم أبجديات تسيير الشأن المحلي على حساب مصالح السكان، فبقيت المدينة تعاني الإهمال والنسيان واللامبالاة.

-3-

خلال هذه الزيارة عادت بي الذاكرة إلى إحدى الطرائف التي كنت أحد شخوصها في حمام الخليفة. حدث ذلك يوم لعبنا الكرة القدم وفي ملعب مليئ بالأوحال. بعد نهاية المباراة، ذهبنا، على حالتنا، مجتمعين إلى حمام الخليفة. تبادلنا الرش بالماء البارد. تضاحكنا وتدافعنا وأحدثنا جلبة وفوضى. تقدم إلينا أحد المستحمين، وهو رجل ينتمي إلى الشرطة السرية بالمدينة. معروف بقسوته وقلة مرونته. سألنا عن أسمائنا وعن المدرسة التي ننتمي إليها. دون تلك المعلومات في كناش، ونحن نجيبه مستهزئين لاهين. وفي الغد جاء الشرطي المذكور إلى المدرسة حاملا ورقة بها أسماءنا وقدمها إلى مدير المدرسة. تمت معاقبة التلاميذ المعنيين تحت أنظار باقي التلاميذ ليكونوا عبرة لمن يعتبر، دون حاجة للاستماع إلى دفوعات المعنيين بالأمر أو أولياء أمورهم.

الرباط العاشر من فبراير 2020

.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع