أخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2020 - 11:55 مساءً

دار وحكاية : دار مولاي عبد القادر في رحاب السالكين والعارفين بالله

الحلقة الثالثةمن سلسلة دار وحكاية تحملنا في رحلة مع الاستاذة سمية نخشى ودار مولاي عبد القادر  في رحاب السالكين والعارفين بالله: 

***

حصدر باحة صغيرة ، تربعت على عرشها دار كبيرة ، هي دار جدي لأبي، الفقيه ،العلامة ،العدل سيدي عبد القادر بن عبد السلام نخشى رحمهما الله ، توجد جوار ضريح مولاي عبد القادر الجيلالي غير بعيد عن المسجد الأعظم بمحاذاة منزل الزاوية ،لهذا كنا ولتمييزها ننعتها” بدار مولاي عبد القادر ” وكان نعتا موفقا يصيب هدفين . صاحبها وموقعها الذي كان سببا لارتباط عائلتي بالشرفاء القادريين لمدينتنا بروابط وثيقة .
هي من الدور القصرية العتيقة والأصيلة ببابها الخشبي الكبير المزين بصفائح وبمطرقة نحاسية ظريفة ، لها واجهة خارجية صغيرة ،وهذه هي سمة الموقع المميز سابقا اذ كانت توصف بأنها “كلوة ” أي مختبئة بين الدور ومحمية بموقعها ذاك من هجمات اللصوص وقطاع الطرق أيام السيبة .
عمرانها التقليدي يتلاءم بدقة متناهية مع عقلية مجتمع محافظ وملتزم ، تتكون من طابق أرضي وآخر علوي .عند المدخل نجد المكان مخصصا للضيوف يفصله عن باقي مرافق الدار باب خشبي “باب الفصل ” مرصع بزجاج عراقي أصيل منه نلج بهوا واسعا محاطا بصالة وغرفتين .
كانت كل جدرانه مزينة بلوحات زيتية كبيرة وجميلة من إبداع عمي السي علي نخشى رحمه الله ،، في جانب منه توجد بئر بفتحة صغيرة مغطاة بلوح رخامي أبيض يستوي مع بلاط الأرض ويرفع بحلقة حديدية ،كان مظهره جميلا ، وهيئ بطريقة آمنة أنيقة وعملية جدا ،كم كانت تستهويني وانأ طفلة صغيرة رؤية نساء الدار يخرجن منها الماء صافيا عذبا ومعالجا بمادة الجير .
على نمط الرياض شيد الطابق العلوي محدودا بدرابزين يحيط بالبهو السفلي بأكمله ، لا يغطيهما سقف إسمنتي تطل عليهما السماء زاهية عند صحوها ، الجدير بالذكر ، أن حكاية الدار نسجت فصولها في الغرفة التي تتوسط الطابق السفلي ، هي الأصغر مساحة ، بنافذتين صغيرتين تطلان على البهو الكبير ، تزينها مكتبة امتدت على طول الحائط وعرضه ،تضمنت دررا ونفائس ومخطوطات نادرة وفوقها كان يوضع تمثال رأس بشري نحته عمي من الجبس الأبيض ، عند رؤيته تخاله يطل عليك من أعلى .
طوال طفولتي كنت أطيل النظر إليه وأنا خائفة ومتوجسة منه لاعتقادي آنذاك أنه سيدي “الأبيض ” أحد أولياء الله الصالحين دفين تلك الغرفة لكن دون ضريح ،ولهذا كانت تؤثتها كرات حديدية من تلك التي توجد بباقي الأضرحة ، ولحد الساعة إن كان الثمثال رمزا مقصودا للولي أم أنها مجرد صدفة وشطحة من شطحات فنان .
وقد سمعت في صغري الكثير من الحكايات عن النساء اللائي كن يطرقن الباب دون سابق معرفة مستأذنات في زيارة الولي الصالح ، وبالفعل كان يسمح لهن بالدخول والتبرك بالمكان ، ولهذا كانت لتلك الغرفة سحرها داخل الدار رغم صغرها، إذ كانت مخصصة لطقوس الميلاد والموت ،لمراسيم الفرح والحزن ، احتفت حيطانها بصرختي الأولى عند ميلادي مثلما نعت أركانها أرواحا عزيزة حضرتها المنية داخلها .
كان الإيمان ببركة الضريح يسكن نساء الدار ويسدل عليهن لباس السكينة والطمأنينة لدرجة أن جدتي رحمها الله عند ولادتها لأبي ، وهي تحث تأثير حمى النفاس تهيأ لها وجود قوى غريبة تسعى لخطف مولودها منها ، لكن حصانا أبيض اللون أنقذهما ، ولم يكن في مخيالها سوى ” سيدي الأبيض “، هو تعايش مع أرواح طيبة ، هو مكان بنفحات صوفية ، حامل لهوية المدينة وتنبض شراينه بتراثها وموروثها ،تسكنه ذكرى ولي صالح ويجاور زاوية سلطان الاولياء
أما حبكة الحكاية فهي الروح الوطنية للدار ،إذ طالما حفلت بملتقيات علمية ،أدبية وسياسية ،كما استضافت مقاومين وطنيين على رأسهم المفكر والفقيه والمقاوم الحاج أحمد معنينو رحمه الله والد الإعلامي الكبير الصديق معنينو وذلك خلال فترة الحماية حيث هرب من المستعمر الفرنسي وأقام بها معززا ومكرما الى ان سمحت له ظروفه بالعودة .
لم يسعدني الحظ برؤية جدي لأنه توفي قبل ولادتي بفترة قصيرة ، لكنني عرفته وتعرفت عليه من الوقار في صوره ، من غنى مكتبته ،من زوايا داره المتناسقة ومن هندستها المتناغمة وأيضا من من الدور الذي لعبته بالنسبة لكل أفراد العائلة ، إذ كانت حضنا دافئا ومكانا رحبا لاحتفالاتهم ولإحياء أعراسهم ، كما ظلت مكان إقامة مفضلة للعديد منهم ،تشظت بهمومهم وانتشت بأفراحهم ، ولا زالت قدمها تابثة في الأرض تأبى على الدهر أحكامه .
كم هي سامقة دور أجدادنا وزكية ريحها بعبق الشرف والوطنية

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع