أخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2020 - 11:53 مساءً

دار وحكاية : 4 -الأنثى وشهوة الانفتاح على اللامرئي

الحلقة الرابعة من سلسلة دار وحكاية تحملنا في رحلة مع الاستاذة عبد الحميد الزفري  : الانثى وشهوة الانفتاح على اللامرئي

***

كم صدحت أصوات المنشدين مع الطرب الأندلسي بهذه الأبيات :
“والسر في المنازل – والقلب صارمكان – ماتنطق به الأواني إلا سكن -سكن قلبي هواكم – ولم نعشق سواكم ”
وكم متذوق للشعر ردد بيتي أبي تمام :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ……. ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى……… وحنــــينه أبدا لأول منزل
وبيت المتنبي :
لك منازل في القلوب منازل …. . أقفرت أنت وهن منك أواهن
وكم من قارئ تمكنت من سويداء روحه بعض الأعمال السردية فحركت مشاعر الحنين إلى استرجاع عوالم عايش أجواءها ، مثل ” نساء على أجنحة الحلم” لفاطمة المرنيسي ،و”لعبة النسيان ” لمحمد برادة و”دفنا الماضي “لعبد الكريم غلاب … إلخ
وخلال هذه الأعمال وسواها يحس المتلقي أن أصحابها حاولوا تقديم اكتشاف جديد لحركية الإنسان والأشياء ،انغمست في عتمة أناهم فانبجست أضواء بفعل وعيهم الثقافي ، فوجهوا إليها أنظارنا حتى ننصت بعمق إلى لغة الجميع، الفضاء وأناسه .
هكذا وبتأثير من كيمياء حلم اليقظة ، وجدت أن الكاشف كما حدده بعض الدارسين هو بالنسبة للكاتب وعيه وثقافته وكل مكونات هويته التي تتدخل لإضفاء أشكال وألوان خاصة على ما تقف عليه عيناه في فضاء دون آخر ،بهدف إجلاء ظاهرة او إبراز شعور أو تحديد موقف ،وهو في كل هذا يكون قد منحنا تلوينا وثابا لحلم لم يراودنا من ذي قبل، من هنا ، وبإيعاز من الأخ عبد المالك العسري وسلسلته الرمضانية الجديدة ، حاولت الدفع بالذات إلى المكاشفة ،وقد قمت في طياتها بتحرير اللاشعور ما أمكن حتى أجعل مكتوبي يقاوم بكل قوته لسحب الذكريات إلى النور بعد أن غلفتها السنون وانشغالات اليومي الرتيب ،فالظل الطفولي المقيم فينا ،أحيانا نلجأ إليه لنستعيد ماهو فطري ساذج ،كان يخلق لدينا ردود فعل عفوية تتسم بالطهر والبراءة .
سأقوم إذن باسترجاع أفق فضاء تفيأت ظلال ذكرياته السعيدة التي أشعت علي بإشراقات كانت تهندس للجمال لدي ، وهو ما أحسسته فيما بعد .
هي ذكريات ظلت تسكنني إعادتها للاسترواح حتى أشعرانني حي ،وإن غبار الموتى وحتى لو تنفسته ، وإن الاشياء التي ألفتها حتى ولو أنها اندثرت إلا من بقاء منزل فسيح يقع بغرسة إبن جلون ، به حديقة ذات أشجار متنوعة ،فإن جميع ذلك كان يثير في فضول الأعماق السيكولوجية ، إذ حركت المناسبة اليوم المخيال ،سأقتصر من بين قطافه على بعض الرطب التي كانت آسرة لذاكرة ذاك الطفل الذي كنته ،والذي عاش في كنف أسرة كثيرة العدد ،أحيانا يزداد بحكم الجوار مع الذين كان الارتباط وإياهم بعلاقة الخؤولة والعمومة .فكان أغلبهم يتردد على الدار الكبيرة كل مساء يوم تقريبا ،حيث يتم تناول الشاي وشيء من الحلوى وفق طقوس خاصة ،تتخللها أحاديث ملغزة يسرها النسوة لبعضهن البعض لا تصل الى إفهام الأطفال المندسين في المجلس مهما حاولوا استراق السمع .
ولكن ما كان يفتح شرفة لروح الطفل ،فيطل منها على بعض من أسرار مملكة الحياة آنذاك .
نموذجان من النماذج النسائية كانا يترددان على الدار الكبيرة لا بدافع رابطة الدم ،بل بحكم الانتماء الصاهر للأفراد في بوثقة واحدة بغض النظر عن المستوى الاجتماعي او المادي .
وهو ما استخلصه الرجل /الطفل الذي كانه ، وعمقته مؤكدة له أكثر إشارة، أحد كبار العارفين هو جلال الدين الرومي : << فإن أنت وضعت عشرة مصابيح في مكان واحد ،فقد يكون كل منهما مختلفا في صورته عن الآخر ، ولكنك لا تستطيع أن تفرق بصورة قاطعة بين نوركل منهما إذا نظرت إلى نورها ، وإن أنت عددت مائة من ثمار التفاح أو السفرجل ، فإن هذه لا تبقى مئة ،بل تصبح واحدة حين تعصرها .>>
– نموذج المرأة الأولى وتدعى (للا المولاة ) كانت طاعنة في السن أنيقة في لباسها الأبيض التقليدي .تأتي للزيارة لكن تمكث اياما تحظى باحترام الكبار والصغار وعلى حد السواء ،فيهيلون عليها رداء من المهابة لأنها كانت مقلة في الكلام لا تتفوه الاب الاذكار والحكم، وهي تجري على لسانها سلسبيلا ،خصوصا عندما يزحف الليل بخفاياه ،فيتحلق اغلب الأفراد حولها .وهي في حضرتهم تحاول عبر المحكي الكراماتي لبعض اولياء مدينة القصر الكبير تحديدا ان ترسم لذاتها منظورا مغايرا تبلور من خلاله وجودها وحقيقتها ،مغذية اياه بين حين وآخر بحكم تنم عن رؤية كشفية اشرافية ،ربما كانت تود بواسطتها خلخلة منطق القبول العادي بالأشياء عند النساء ،حتى تولد لديهن الرغبة في تشوف مجاهل اللامرئي ، اما الاطفال فكانوا لا يفقهون حديثا سوى ما كان في حدود مداركهم وما اختزنته ذاكرتهم الطرية من أذكار (للا المولاة ) التي كانت ترددها صباح مساء مثل:( اللهم صل على سيدنا محمد عدد الاشجار والدوالي ،اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما جرى القلم في يد الدراري….أنا كنهديها لك يارسول الله .بجاه مولاي عبد القادر الجيلالي .)
هذه وغيرها انغرست في أعماق الروح لديها ، إلى درجة يغيب العقل كما حدث لها يوما ،فهرع الأهل فزعين لرش الماء على وجهها إلى أن أفاقت وقد غمست الأخريات في بعض مياهها السرية حتى يتهيان لانفتاح جمالي معهود لأرواحهن .
-النموذج الثاني كان يلقب عن الفتيان والفتيات ب(احبابي طامو) وهي امرأة ارملة فاقدة لبصرها جراء وباء الجذري الذي ذهب ببصر الكثيرين مخلفا وراءه نتوءات على وجوه المصابين به .
كانت هي ايضا مسنة ، ومع ذلك ظلت محتفظة بروح الدعابة ،انسجاما مع حرفتها ، اذ كانت من ضمن مجموعة من “المداحات” بالمدينة .
ما ان تمر أسابيع حتى تزورالاسرة ، يقودها ولد اخيها أو ابنته ، وهي مرتدية (الحايك ) وتحته تتأبط آلتها المأثورة (البندير ) الطريف مع هذا النموذج المستثنى انه حينما يجتمع الاهل بما فيهم بعض الخالات والعمات وتشرع( احبابي طامو) بالضرب على الدف (البندير ) تستجيب للإيقاع المأثور عند كل واحدة منهن ،فتتراقص طربا وتتجاوب مع مبتغاها ،حتى يتلبسها حال ذاك المزيج الرائع بين عبارات تدفع الى السكون فالخضوع ،وإيقاعات ترمي بصاحبتها في غياهب الخشوع إما تفاعلا مع الأمداح النبوية إلى حد تغييب إحداهن عما يحيط بها حتى يؤتى لها ب”المسكة الحرة ” وليس المسك لشم رائحتها ، او منهن من تعشق إيقاعات “جيلالة ” أو “حمادشة ” أو “درقاوة ” او تلك القصيدة الزجلية التي تذكر مناقب “سيدي مبارك بن عمران ” أو “للامنانة المصباحية ” .
كان هذا غيضا من فيض لأجواء عاشتها الدار الكبيرة بغرسة بن جلون ،لم تكن للذكرى وحسب ، بل للعبرة التي استخلصها كاتب هذه السطور لما تقدم به العمر
،ارتأى من الواجب اطلاع المتلقي الكريم عليها ،وهو ان دات كل واحد منا في حضرة الاخرين ، تحاول ان تمنح لنفسها منظورا مخالفا ،يعمق وجودها الجسدي ككينونة لها ظاهر يتمرأى للناس ،وباطن توجهه لاكتشاف جوهر وجودها الانساني ، ومع ذلك يكون مصدر جذب ومنكشفا للآخر، تنبئ عنه أقواله وأفعاله ومشاعره “إن اشتريت الرمان فاشتر المتشقق “الضاحك ” حتى تنبئ ضحكته عما فيه من حب ، وهو ما لاحظناه عند النموذجين المذكورين اعلاه اللذين قدما صورا ذات أبعاد لعالم داخلي ، تهبهما قوة في إ خراج الاخريات من مسارب اليومي والاعتيادي .ومنحهن حالات جديدة تخلع عنهن اردية اوضاع نمطية مكرورة (الأعمال المنزلية ) لتلبسن لبوسات مغايرة ترتقين بها نحو فضاء عشقي ، منفتحة أبوابه على مصاريعها ، وهن مؤهلات لخوض غمار حياة جديدة في اعماق المرئي بكل تأثيثات فضاءاته ، وكذا الرغبة الوليدة في التطلع نحو اللامرئي بكل حدوس إشراقية يحصلن عليها ،فتغور بهن صوب النائي للروح ،بحثا عن مولود جديد لأرواحهن ، وحتى يحققن المشتهى في ترسيخ قيم الحب والجمال والسلام مع الاخرين
إنجاز : عبد الحميد الزفري مارس/أبريل 2020

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع