أخر تحديث : السبت 9 مايو 2020 - 3:57 مساءً

سرديات : لخبطة في المدينة

لقبته ساكنة المدينة بالدكتور، لأناقته وشياكته، ومهارته في خلع أسنان الناس وأضراسهم، ولو استعصت على غيره. أبان عن مقدرته في خلع الأسنان دون كلاب ولا مخدر، فلجأ إليه الناس لتخليصهم من أوجاعهم المضنية.
حظي لذلك بثقة من يشرفون على تدبير شؤون المدينة والناس، فولوه أمرهما أملا في أن يستطيع تسخير حنكته ودهائه في الحفاظ على انتظام سير شؤون مدينة تاريخية عجوز، متحصنة بضفاف نهر صامد منذ الأزل، تراكمت على معالمها الأثرية أتربة الإهمال والنسيان، وغدت “مدينة تجلس القرفصاء على مصطبة التاريخ الباكي على نفسه”.
وما أن استتب الأمر لخلاع الأسنان حتى أغرق في العبث بعقول البشر والحجر، واستهان بأفواه الناس وأسنانهم، فجعلها خرابا وأعشاشا، تذكر بأعشاش البوم والوطاويط. وأصبح كل من في المدينة بلا أسنان ولا أنياب ولا أضراس.
اقتصر الناس في طعامهم بعد ذلك على السوائل، من عصائر و”حريرة” و”بيصارة” و”بلبولة” و”صيكوك”، وكل ما هو سائغ، سهل للبلع دون لوك أو مضغ.
تحولت المدينة في عهده إلى سوق كبرى، كل ما فيها يباع ويشترى، من أبخس السلع وأرخصها إلى أغلاها وأنفسها، بل إلى أخطرها على صحة الناس وطمأنينتهم. امتد غول البيع والشراء إلى الذمم البشرية والضمائر الإنسانية. أصبح لكل ما في المدينة ثمن، حتى الكرامة أضحت سلعة تتداول في السوق، تتم مقايضتها لمن طغت عليه غواية النفس وخستها.
نبتت الأسواق في المدينة كالفطر. تعددت، وتنوعت. غدت ساكنتها تقطن في الأسواق. تأكل في الأسواق. تنام في الأسواق وتتزوج في الأسواق وتتناسل في الأسواق. أصبح الناس يخرجون من سوق ليلجوا سوقا أخرى. من سوق الذمم إلى سوق النخاسة، إلى سوق المصالح، إلى سوق الدسائس والمكائد، إلى سوق السياسة والانتخابات، إلى سوق الممنوعات والمحظورات، إلى سوق الماشية والدواب والدواجن، إلى سوق “الببوش” و”الرزيزة” إلى أسواق الخضر والفواكه.
ومن تعذر عليه، لسبب ما، دخول إحدى تلك الأسواق، فله أن يدخل ” سوق راسو”.
تحولت أزقة المدينة ودروبها وشوارعها وساحاتها ومساحاتها الخضراء إلى أسواق. اجتاحت السلع المهربة والممنوعة كلا من الملاعب الرياضية والمسارح والمكتبات العمومية وقاعات العرض السينمائي والمآثر التاريخية والمعالم التراثية والسياحية…
كل ما عدا البيع والشراء أصبح لغوا باطلا، وغدا رنين الدراهم أعذب الأنغام والأغاني التي تطرب في المدينة.
عجت المدينة بكائنات غير مألوفة، انتشرت كالجراد وحطت في كل الأسواق. على أجسادها رؤوس تحمل في وسطها تيجان الهدهد المنفوشة، وأنواعا عديدة من تسريحات الشعر والملابس الباهتة والممزقة، التي صاحبت موجات الحداثة والعولمة، فأقبلت بنهم رهيب وشره لا حد له، على استهلاك ما يقدم لها من معروضات تلائم أذواقها وتلبي رغباتها المحمومة.
توافد على المدينة غيلان جدد، انضافوا إلى غيلانها القدامى وأسسوا جوقة نحاسية غريبة عن هوية المدينة، منذورة للتطبيل والتزمير، لا فرق لديها بين الخير والشر والحلال والحرام والغث والسمين.
في يوم السوق الأسبوعية للمدينة، جاء رجل قروي لخلع ناب آلمه وأرقه ثلاث ليال متتالية. وحالما تفرسه خلاع الأسنان، ظن أن بإمكانه الضحك عليه بسهولة، فامتشق كلابه السحري، وبدأت أسنان الرجل تتساقط أمامه كحبات سبحة انفرطت.
أطلق الرجل صيحات مدوية اهتز لها المكان. فار فمه دما كنافورة ماء مندلق . وصادف أن اختلطت صيحات الرجل بأهازيج كناوة وعيساوة وحمادشة وجيلالة ودرقاوة وهداوة والطقطوقة الجبلية وعبيدات الرمى.
تزامنا مع ذلك، هبت عاصفة حركتها صيحات سكان المدينة الذين خرجوا عن بكرة أبيهم، تتقدمهم “مولات الحربة” ، بخمارها الذي يكاد يحجب عينيها، وجلبابها الأسود وجواربها ذات اللون الأحمر القاني، تضرب الأرض بحربتها وتكرر لازمها المعهودة :” الله الله، العلامة من عند الله…الله الله، العلامة من عند الله”.
اكتظت أزقة المدينة ودروبها وشوارعها، وتعالت أصوات الناس من فوق سطوح المنازل والعمارات، وتصادت أصوات منبعثة من أبواق السيارات في الطرقات ومن أعلى صوامع المساجد، كما دقت أجراس الكنيسة بعد غيبة طويلة، وأطلقت الشهب الاصطناعية ومفرقعات عاشوراء. اختلط الحابل بالنابل، وعبر الفقراء والمحرومون والمهمشون والمتسولون عن غيظهم واستيائهم، وظهرت معالم الذعر والفزع في أسواق المدينة وفضاءاتها الحيوية، وكشر قانون الغاب عن أنيابه. ولولا مبادرة حميدة من ذوي النيات الحسنة بالمدينة لحدث ما لا تحمد عقباه.
بعد انقشاع غمائم هذه اللخبطة واستكانة حدة ذلك الهيجان، تبين أن لهذه الحركة الهوجاء مطلب واحد هو إبعاد خلاع الأسنان عن تسيير شؤون المدينة والناس. فتبين لأصحاب الحل والعقد، بالملموس، أن خلاع الأسنان قد بالغ في التعسف في استعمال السلطة إلى حد لا يطاق، ولم يعد، بالتالي، صالحا لهذه المرحلة التاريخية، التي تجتازها المدينة. فتم البحث حثيثا عن بديل له، ولم يجدوه مرة أخرى، سوى في السوق، فقدموا له مفاتيح المدينة على أنغام العيطة الجبلية وغيرها من الأغاني التي تزف بها العروس في البادية المحيطة بالمدينة. وكان ذلك درسا بليغا في الديموقراطية المحلية تهافتت على تقليده أعرق الديموقراطيات المحلية في العالم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع