أخر تحديث : الأربعاء 13 مايو 2020 - 1:51 صباحًا

دار وحكاية : 10 _ للا شموس

دار وحكاية ، حلقات رمضانية بعدها الأستاذ عبد المالك العسري : يستضيف اليوم الأستاذ محمد العربي الجباري تحت عنوان : للا شموس

*****

في تلك الأيام الخوالي والوعي الجمعي القصري وكذا المغربي ككل ما زال يعيش طفولته، كانت أسرة سي الغالي كباقي الأسر القصرية والمغربية وبعضها إلى حد الآن، تتوسل أساليب علاج غارقة في الغيبيات ووسائل وقائية بدائية، كزيارة أضرحة الأولياء لمعالجة أمراض بعينها في غياب شبه تام لأبسط الخدمات والمستلزمات الطبية والتوعية بها. مما جعل أطفال كل العائلات غنيها وفقيرها يعاني من أخطار التداوي الشعبي. فمثلا حالة جعرة الأطفال، كانت للا شموش تذهب بأطفالها إلى سيدي الفضلي وللا العالية بحي المرس وضريح سيدي سليمان لمعالجتها، وذلك بإقفال باب الضريح عليهم فيغرقون في ظلام دامس، لينخرطوا في نوبة من الصياح والزعيق والاستغاثة بوالدتهم يعدونها وهم في أوج هستيريا الخوف بالتوبة على ألا يعودوا إلى شغبهم وأن يلتزموا بطاعة الأوامر. وعندما تفتح باب الضريح تتم الطقوس الأخرى وهي الأنكى على الصغار حيث يتم ضرب رؤوس المساكين بحجارة كبيرة ملساء موضوعة هناك قرب الضريح، فيغدو بعد ذلك التهديد بزيارته كافيا لردع الأولاد وزجرهم عن الشغب والفوضى لما كان يجسده من وسيلة إرهاب فعالة للطفل القصري ولكنها غير تربوية بمقاييس اليوم . وأيضا زيارة الأطفال لسيدي البياتي بالقصر الكبير بقصد الشفاء من “أخت الصبيان” وهي حمى تصيب الأطفال عادة حيث كانوا يستحمون بماء بئره الزلال والبارد وسط صياحهم وبكائهم الذي يتواصل طيلة استحمامهم. وكذا الأمر بالنسبة لسيدي امبارك بن عمران بهدف العلاج من مرض بوشويكة أو من أمراض نسائية…وعندما يصاب أحد الأفراد باكتئاب أو انهيار عصبي جراء حادث عجزت نفسه عن استيعابها، يقصد به إلى الولي سيدي احمد الشيخ أو أصيلة للتبرك بالولي سيدي العربي غيلان، وغالبا ما يكون يوم الخميس بمناسبة السوق الأسبوعي، حيث تقتني للا شموس ديكا أسودا وتمنحه للمقدم وهو أحد أحفاد الولي لذبحه باسم المريض كقربان، ثم تعرج على البئر لملء دلوين (قبين) من مائه والاستحمام به رغم برودته، وكلما سمعت “المقدمة” المرافقة لها تنهيداتها وهي تغتسل بسبب برودة الماء تسارع إلى تفسير ذلك قائلة لها:
“ها اللي قلت لك ضرباتك العين يخصك تبخري وتاخذي الكتابة من عند المقدم وتفزكها بالما في الزلافة وتشربيه لمدة تلات يام بحال سمايت الله”.
وهكذا وببساطة وعند العودة إلى القصرالكبير تشعر شموش المريضة ببعض التغير في مزاجها وتحسن نفسيتها، وذلك نتيجة تغيير الجو، والسفر وعنائه، أو الاعتقاد النفسي الدفين في بركات الولي الصالح ودعوات وأساليب تدليس المقدم والمقدمة….
في نفس الصدد وحوالي أواخر سنة 1960 كانت، شموش تعاني أعراض عياء وتعب تجهل مصدره، فاقترحت عليها خالتها وجارتها للا حفيظة الذهاب لزيارة ضريح سيدي امبارك بن عمران الكائن في ضواحي مدينة القصر الكبير للتبرك به وطلب الشفاء لما حل بها من هذا العياء المفاجئ. فشدتا الرحال إليه في عربة يجرها حصان (كارو) يرافقهما الابن هشام. وبمجرد وصولهما قدمتا الذبيحة إلى المقدم الذي ذبحها أمامهما وهو يشرح لهما حالة شموش من خلال كيفية احتضارالديك” الفروج” المذبوح أمامهما وعنقه يسيل بالدم، فتجيبه شموش وخالتها بالإيجاب موافقة على تحاليله العامة الفضفاضة التي يمكن أن تنطبق على أي كان في حياته اليومية. ثم ذهبتا للاغتسال عند البئر كما جرت به طقوس الزيارة أو ما يسمى ب”النشير”، ولما همت شموس بأخذ الدلو راعها مشهد اقتراب ابنها هشام من البئر فانتفضت، وصاحت بأعلى صوتها منبهة إياه الى خطر السقوط في البئر:
“امبارك امبارك امبارك، عندك اوليدي البير راه ما عاليش عنداك تطيح فيه الله يحفظ ارجع امبارك ارجع”.
هنا علت الابتسامة شفتي خالتها تشي بفوز معنوي وبادرتها مخبرة اياها :
” صافي جاب لك الله التيسير، اعطاك سيدي امبارك بن عمران البركة والإجابة في حبال الكتان، الولي بشرك بالولد الثاني “.
فانفرجت أسارير شموش عن ابتسامة الرضا وقالت وهي غير مدركة لمعاني كلام خالتها:
“شاء الله أسيدي امبارك بن عمران. الله ينفعنا ببركتو كيفاش اخالتي عرافتي هاد شي “.
فأجابتها:
” ما فطينتيشي براسك أبنيتي، عوض ما تعيط لابنك هشام باسميتو، عيطتي لو باسم امبارك بلا ما تشعري، انت يا بنيتي جيتي قاصدة رجال الله وهما ما خيبوكشي، الإجابة كانت سريعة، شوفي الشعر ديالي كيوقف … هاد العاية أللا شموس ديال الوحم، هادا فرحي ياللا ومادايلي وانا نتسنى “.
فتنهدت شموش قائلة :
” شوف أخالتي لحمي كتبورش “.
فأضافت خالتها لتقرر بحسم :
“كملي الزيارة ديالك دابا، ويالله نجمعوا قلوعنا صافي ما بقالنا قعاد هنا، اللي جينا عليه حقولنا الله ”
وهنا نذرت شموش نذرا لم تأل جهدا على تنفيذه فالتفتت إلى خالتها وهي في منتهى الخشوع والجدية قائلة :
” شوفي أخالتي، هانت من الشاهدات، اذا تزاد عندي ولد إن شا الله غادي نسميه امبارك “بغا اللي بغا واكره للي كره”

قصر الالهام (رواية )صفحة 159و158

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع