أخر تحديث : الخميس 14 مايو 2020 - 8:14 مساءً

دار وحكاية : 12 _ ” نوستالجيا الحي “

.. دار وحكاية سلسلة حلقات رمضانية بعدها الأستاذ عبد المالك العسري ، الحلقة 12 تستضيف الأستاذ عبد العزيزأمزيان:

أحيانا حين أخلو إلى نفسي، في البيت، بمدينة الدار البيضاء، تعبر ذكريات كثيرة -في خاطري- على أنغام سيمفونية الحياة، وإيقاعها المتسارع، لواعج تستيقظ بتثاقل وتثاؤب كما لو كانت نائمة في بئر سحيق، أو قعر شديد الغور، تحيي معها أحداث بعيدة في الزمن،،تنبعث صورة الحي الذي نشأت وترعرعت فيه، واضحة مثل النهار وقت ظهيرة فصل ربيع لائق،،أصوات أطفال الحي تتعالى، مفعمة بالضجيج و الصخب والعبث، معلقا فيها رائحة نسيم حرية بريئة ،،،
الحاجة خدوج الساحلي- رحمه الله- ،تنادي من باب دارها، على من يشتري لها صندوق الوقود والخميرة من البقال، جارنا اجميلي أو الخيوطي- رحمة الله عليهما- يسرع أحد الأطفال- أو هم جميعا- يأخذ النقود التي- تكون محسوبة مسبقاً – ويطلق رجليه للريح،، ويعود- على وجه السرعة- وهو يلهث، وقد أدى الواجب على أكمله،،، آباء الحي- رحمة الله عليهم- يتشابهون في كثير من الأشياء،،
الحاج عبد السلام رحمه الله، الرجل الوقور، كانت له أوقات معينة، يخلو فيها إلى نفسه، في داره ،لا ينازعه أحد في ذلك ،ويطفق في العزف في جو رهيب مبجل،،ينبعث صوت الآلة من الدار إلى درب الحي قوياً رخيماً،،،
الحاج البشير-والدي- رحمه الله- بملامحه الريفية،التي لا تخطئها عين ،كان إذا تراءى -من بعيد- في الدرب، دخل الأولاد- كما لو لم يكونوا-إلى بيوتهم في صمت،،ا
لحاج الأمين الرجل الذي أفنى عمره في حقل التعليم ،كان صوت دراجته النارية، لا يسمع لها ضوضاء ،كما لو كانت بدون محرك،،،

الحاج السقال رحمه الله الرجل الفقيه، العدل الورع، حين تراه قادما من رأس الدرب، تخال أنه ملاك هبط -توا- من السماء، في جلبابه الأنيق، لا تراه، يلتفت لا يمنة ولا يسرة. ..
.المجذوبي صاحب الدكان الصغير، الذي يقع على بعد خطوات قليلة من البيت، كان حين تناوله( ستاد بليون) خمسة عشرة سنتيما أو ما يقارب ذلك، لشراء شيء ما، يأخذها منك، ويشرع بلمسها بين أصابعه، مرات ومرات، وهو يسألك عن أحوال الأب، ثم يستوي واقفا بمهل وتأن، بسرواله العربي الأبيض الفضفاض، يعطيك المطلوب، على ذات الوتيرة البطيئة،،يكون خلالها قد حكى لك أملوحة من أماليحه الباذخة..
الحاج البجنوني –رحمه الله- الفقيه الأستاذ، حين يلقاك بوجهه الطلق،وثغره الباسم، تتهيب من طلعته البهية، ترتبك ولا تعرف ما تقدم، وما تؤخر، لكنك تسارع إلى الانحناء لتقبيل يده،غير أنه، ينزعها منك، ويربت بها على رأسك، داعيا لك بعميم الخير، وحسن المآل ..
التمسماني -رحمه الله- الرجل الذي يعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي ، صاحب استوديو التصوير، حين تراه تظنه أحمد شوقي، في فراهته وأناقته، يحكى أنه كانت له زوجة فائقة الروعة والجمال…
السيد علوش –أطال الله في عمره- رجل تعليم ورجل رياضة، وازن بينهما حتى ليخال إليك، وأنت تراه في هيئته الجليلة، وشكله الأنيق، أن التعليم والرياضة مجال واحد، لا فرق بينهما في حضرة السيد علوش، ولا بون بينهما في سيرة الرجل،،
ومن عجيب الأقدار، أن بالحي رجل تعليم ورجل رياضة آخر. الرجل الفذ، والمبدع المفلق محمد المؤذن -أطال الله في عمره- كنت حين تراه تحسبه لاعبا من هؤلاء اللاعبين الايطاليين، خرج توا من شاشة التلفزة من أحد مباريات كرة القدم..
أشياء كثيرة تعبر -في خاطري- مع نفسي، كثيرة بعدد الأيام والشهور والسنين، على جرعات من حياتي وحياة الآخرين من العمر…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع