أخر تحديث : الجمعة 22 مايو 2020 - 9:33 مساءً

سرديات : عامل النظافة

كان ” خالد” الملقب ب” الكويرة”، أبيض البشرة ، ذو شعر أشقر كثيف يسقط فوق جبينه و كتفيه ، فيما نمش صغير متناثر على وجهه .

كان جسده صغير و منتفخ و لذلك حمل تلك الكنية.
تميز ” خالد” بخجل كبير في كل الوضعيات و الحالات.
كان يحاول الابتعاد عن زملائه التلاميذ، تاركا مسافة بينه و بينهم، و كأنه يحاول النأي عنهم بسبب سر يحمله في صدره و لايريد لأحد أن يعلمه أو يعرفه.
كان مهذب السلوك ، منضبطا، عمليا و نظيفا.
و في إحدى الأيام ، أبلغ و هو في حصة الاستراحة المدرسية ، بكون أبيه تعرض لحادثة سير.
مفجوعا ، ترك المؤسسة مهرولا ، و تبعه تلاميذ صفه الدراسي بدافع الفضول لاستطلاع الأمر.
و عند الوصول إلى مكان الحادث ، اكتشف التلاميذ، أن أب ” خالد” رجل معروف لدى الساكنة ؛ لقد كان عامل نظافة ( زبال).
لم يكن الطفل ” خالد” يهتم بمصير أبيه بقدر اهتمامه بحضور غير مرغوب فيه لمجايليه.
تبين فيما بعد أن الأب لم يصب إصابات بليغة ، و نقل بعدذلك للمستشفى قصد تلقي العلاج.
ظل ” خالد” بعد حادثة سير أبيه منطويا ، متقوقعا و حزينا.
و أضحى يتحاشى الاحتقان أو الاصطدام مع غيره من الأطفال ، لأن واقعة سابقة ، جعلت خصمه ينعته ب ” ابن الزبال”.
أجل ، لم نكن نعير و كذلك أفراد أسرنا أي اهتمام لرجل النظافة بل كان يعامل من طرف الجميع باحتقار و استصغار.
مع مرور الوقت و بداية تشكل وعيي السياسي ، كما جل أفراد جيلي ، تيقنت أن عامل النظافة رجل ربما ساقته الظروف القاسية لهذه المهنة، لكن المؤكد ، أنه يصنع لنا جميعا ، جميلا خاصا ، و يخدم المجتمع خدمة لا تقارن و لا مثيل لها.
ذلك أنه إن غاب لبضعة أيام عن الحي ، إلا و صار مكانا نتنا لا يطاق العيش فيه ، كما أن روائح كريهة تحيله إلى جحيم كبير لا يطاق .
يمر عامل النظافة في صمت و بشكل خفي أحيانا ، كما يقف مرهقا مواجها شمس الصيف القائظة و برد الشتاء القارس.
يخرج المرء من منزله صباحا، للعمل أو التسوق أو الرياضة ، ليجد الشارع نظيفا ، لكون عامل النظافة تكبد عناء إزاحة القاذورات و جعله يقتبل اليوم في أجواء نقية.
و يجذر التذكير أن عامل النظافة يجد نفسه كل ليلة في مواجهة أكوام من الأزبال التي تؤرق الساكنة بسبب الرائحة الكريهة التي تنبعث منها و الحشرات الضارة التي تتجمع حولها ؛ و يبقى وحده في قلب معركة يواجه فيها هذه النفايات ب ” أسلحة” تقليدية ك ” المكنسة” ، و قطعة خشب و بعض الأجهزة البسيطة التي تأخذ منه وقتا طويلا لتنظيف مكان أو زاوية ما.
و في أيام البرد القارس و الأمطار المتهاطلة و بينما يكون الشخص تحت غطائه الدافىء ، يتابع برامج تليفزيونية ، يكون ، بالمقابل، عامل النظافة معرضا للاعتداء من طرف مجرمين و جناة عابرين.
فضلا عن ذلك فهو مهدد بأمراض متعددة ،( من دون تغطية صحية و بأجر شهري بسيط)نتيجة تماس أجزاء من جسده بقاذورات نتنة و كريهة .
أيضا قد يخبىء القدر لعامل النظافة مفاجآت غير سارة كعثوره في حاويات القمامة على أطفال رضع منهم من فارق الحياة نتيجة البرد الشديد و آخرون أحياء مما يجعله يعيش لحظات رعب و ارتباك كبير.
إنه يخزن في ذاكرته قصصا و حكايات غريبة ، مؤلمة و قاسية أحيانا في مهنة فرضتها عليه أوضاع خاصة .
كبر ” خالد” و أصبح أستاذا جامعيا يدرس مواد علمية ، و اقترح على أبيه التوقف عن ممارسة هذا العمل ليتصالح مع ذاته و مع المحيط ، و كذلك عربون محبة لأب عمل في ظروف قاسية من أجل إعالة أبنائه و تعليمهم.
رفض والده عرض ابنه السخي و تشبث بالاستمرار في عمله إلى أن يحال على التقاعد .
لاحقا ، أتيحت لي في فترات متباعدة زيارة دول أروبية متقدمة ، و لاحظت كيف أن شعوبها تقدس و تحترم مهنة ” رجل النظافة” و تشيد لهم تماثيل في ميادين عامة ، إكراما و احتراما و تقديرا لعمله المتعب و المضني ، بينما يتفنن المجرمون في الاعتداء عليه و شرملته في قلب الليل في مدن كثيرة من هذا الوطن الجريح.

مدريد : 05|05|2018.

تمثال ” عامل النظافة ” في قلب العاصمة الإسبانية ” مدريد”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع