أخر تحديث : الأربعاء 12 أغسطس 2020 - 12:28 مساءً

يوميات أطفال في الجائحة

لم تمر ثلاثة أشهر على استقبالنا لسنة 2020 حتى انقلبت حياتنا رأسا على عقب، فمنذ 16 من شهر مارس من السنة الجارية ولا شيء على ألسنتنا إلا كورونا، الجائحة، الفيروس، كوفيد 19، الكل أصبح يفهم في كل شيء ،في التحاليل، في أعراض الفيروس، نتائجه وكيفية تفاديه وطريقة ارتداء الكمامة، والتباعد الجسدي، المهم ظهر علماء في الفيزياء والبيولوجيا دون أن يمروا بالأسلاك الدراسية. (الله يحفظ وصافي…)
تأثرت حياتنا الاجتماعية والدراسية والأقتصادية وربما حتى السياسية( لا علاقة لي بالسياسة ، بيني وبينها الخير والإحسان). هذا التأثير طال فئة عريضة من المجتمع وأخص يالذكر هنا الأطفال. تغير نمط عيشهم فلم يعيشوا فصل الربيع بألوانه الزاهية، لم يتمتعوا بشمسه الدافئة وأمطاره الخفيفة، لم يلعبوا ولم يمرحوا في الحقول الخضراء وهم يتمايلون مع سنابيلها الراقصة، لم يتتبعوا أثر الفراشات الملونة وهي تنتقل من زهرة لأخرى ؛ جمال الطبيعة كان خاليا من وجودهم، الذي يزيده بهاء وجمالا ببراءتهم وضحكاتهم، التي تشبه أصوات عصافير تحط على أغصان أشجار عالية، تتباهى بسحقها وارتفاعها. مرت الأيام عليهم متشابهة وكأن الأسبوع يوم واحد يتكرر بساعاته ودقائقه وليله ونهاره، والآن فصل الصيف على وشك أن يلوح بيديه معلنا رحيله دون أن يتمتعوا مرة أخرى بشمسه الساطعة ولا برداد البحر الذي ينعش القلوب ؛ فهذا أحمد، ابن الخمس سنوات ،يقضي النهار بطوله وهو يركب دراجته الهوائية الصفراء اللون، التي يصلحها له والده في كل وقت وحين نظرا للحالة السيئة التي يعرفها الحي، كثرة الأحجار والحصى والغبار ، ناهيك عن الحفر التي تكون سببا في سقوطه من على دراجته ليعود إلى أمه وهو يبكي نظرا للجروح التي تعلو ركبتيه، إن أحمد يعاني الأمرين : كورونا من ناحية، التي فرضت عليه عدم التنقل للذهاب إلى منطقة ساحلية ليستمتع بأمواج البحر، ورداءة الحي الذي يسكن فيه، من جهة أخرى، والذي لا يتوفر على أماكن للترفيه مثل التي يشاهدها على التلفاز وهو يشاهد الرسوم المتحركة أو تلك الأفلام التركية التي غزت قنواتنا الفضائية
إن الواقع يا أحمد شيء والتلفاز شيء آخر….
أما “يزيد” ابن الخمس سنوات أيضا، فهمه الوحيد منذ بداية هذه الجائحة أن يعرف لون كورونا. يتبع أمه كظلها طول النهار داخل المنزل ينط من غرفة لأخرى ويسألها:
– ما هو لون كورونا يا ماما؟؟ سوف أسأل عمي عز الدين عن لونها، للإشارة عز الدين هو” البروفسور الابراهيمي” مدير مختبر ;”medbiotech” بكلية الطب بالرباط، الذي لم يدخر جهدا في تقديم المعلومات المتعلقة بهذا الفيروس، ولقد استضافته عدة قنوان فضائية لإلقاء الضوء على هذه الجائحة، وكان يؤكد دائما على ضرورة ارتداء الكمامة والتباعد الجسدي والنظافة….
إن كورونا يا “يزيد”، لا لون لها ولا رائحة مثل الماء، إلا أن الماء جعل الله منه كل شيء حي، في حين أن فيروس كورونا فيه كل مايؤدي إلى الإنعاش وربما إلى التنفس الاصطناعي وقد يؤدي إلى الهلاك…
مروان ويوسف وأيوب وغيرهم …يقضون النهار وهم يغازلون هواتفهم ويداعبونها بأصابعهم من أجل الاستمتاع بلعبة فري فاير ، التي بسببها تركيزهم طار؛ فكلما نقلت بصرك من عتبة منزل لآخر تجدهم يجلسون دون أن يعيروا اهتماما للمارة، لا يهمهم لا الأكل ولا الشراب، لغتهم جديدة وألفاظهم غريبة وكأن مركبة فضائية رمت بهم على الأرض ، فلا تسمع سوى أسماء غريبة “أكرا”،”بوشي “، “mp 40″وغيرها من الكلمات التي لا لا يفهمها إلا هم مع بعضهم البعض. الجائحة بالنسبة لهم جعلتهم يستمتعون أكثر فأكثر بهواتفهم الذكية بعيدا عن المدرسة والمقررات الدراسية التي هجروها من بداية الوباء ببلادنا…
مريم، وهبة، وتسنيم، وآية،…. وغيرهن فصل الصيف بالنسبة لهن على سطح المنزل، بتحويله إلى شاطئ عن طريق استعمال ذلك المسبح المطاطي الذي يملأ بالماء ، ويمكن تعويضه بآنية كبيرة الحجم تستعملها الأمهات في تنظيف الملابس والأغطية وتدعى ( البانيو)، فيتخيلن انفسهن يلاعبن أمواج البحر ، يردن الحصول على ذلك اللون البرونزي الذي يزيدهن جمالا ، فيقضين النهار جله تحت أشعة الشمس وهن يرمين بأنفسهن وسط ذلك المسبح البلاستيكي ، وكما يقول المثل الشعبي:”العمش ولا العمى”….
أطفال وأطفال يعيشون تحت جناحي كورونا يقضون يومهم يتنقلون من حي لآخر ومن زقاق لآخر ، يقتلون الوقت بأي شيء ، لكنه يرفض أن يقتل، يؤدون ثمن غيرهم ، همهم الوحيد الحرية والانطلاق، فهذه المرحلة من حياتهم تعني الجري، والركض، واللعب، والضحك بصوت عالى، تعني البراءة والصفاء، والصدق، والحب، لا المكوث بين جدران صماء والعيش في روتين يومي يشعرهم بالملل وكأن عقارب الساعة لا تتحرك من مكانها ، سؤال واحد يتردد على ألسنتهم متى ستنتهي كورونا؟؟

.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع