أخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 10:57 مساءً

ذات عاشوراء …

تنقضي أيام عيد الأضحى… صديقاتي يطرقن بابي يستعجلنني، لازالت كل التفاصيل عالقة بذهني وكأنه البارحة ،وكل واحدة منهن تحمل شيئا من لحم الأضحية لتحضير أكلة “عشاوة” أدخل مسرعة بدوري أحمل ما يلزمنا لطبخ هذه “العشاوة” لحم ،توابل، الكانون الصغير الفحم واستأذن للذهاب هكذا كانت متعتنا بالعيد الكبير في انتظار حلول عاشوراء وتبدأ تظهر بعض الملامح والتباشير.. تحرص جدتي على نشر القديد على السطح وجمعه مباشرة بعد العصر من كل يوم ، كنت ألاحظ اهتمامها بقديدات معينة “ذيالة” الخروف وجزء من رقبته . ” يحل شهر ” لعاشور” وهو اسم ليوم واحد من شهر محرم لكنه ينسحب عل كل الشهر..
للكبار استعداداتهم الخاصة ، ولنا نحن الصغار استعداداتنا البسيطة ، بعد أيام سنتخلى عن عرائسنا القصبية التي نصنعها بإتقان من قصب ونحكم عليها أثوابا زاهية ، لتحل محلها دمى حقيقية . رائحة ” الشباكية ” تنبعث من بعض المحلات، وهناك من عمد إلى عرضها باكرا إيذانا بمقدم عاشوراء، لتزداد فرحتنا وشوقنا لهذا اليوم ويبدأ العد العكسي، ثلاثة أيام، يومان، يوم واحد. الليلة التي تسبق عاشوراء ، تعد جدتي قصعة الكسكس من القمح الخشن ، تصر أن تعدها بنفسها وكأنها ترسم لوحة ، القديدات تحت الخضر، وحبات الحمص على الجنبات ، ونتحلق حول القصعة و نهجم عليها غير مبالين بحرارة منبعثة منها ، نسمع جدتي تتمتم بأدعية وتصر أن تعطي كل منا نصيبه من القديد ..
نبيت الليلة نحلم بعاشوراء اليوم الذي لا يشبه أيام السنة. صبيحة عاشوراء نتسلل من أسراتنا نطل من النوافذ ، أفواج من زائري المدينة أغلبهم من البوادي المحيطة ، نعرفهم بسحنتهم بألبستهم ، نهرع نحن الصغار إلى “القشاشين” هناك تجتمع نسوة وأطفال ،يتحلقون حول بائعي “القلاليش ” نساء يتصدقن بالقلوش المملوءة بالماء، والأطفال يتسابقون لينالوا أكبر كمية من “القلاليش” فيما الكرابة ” يصيحون ويقرعون أجراسهم ويملأون طاسات نحاسية ماء ويمدونها للمارة .
تتجه الأفواج المتقاطرة على المدينة صوب ساحة سيدي بواحمد ، أصوات المزامير تختلط بأصوات المفرقعات ، أطفال في مثل سننا يرافقون آبائهم يتأملون المدينة ومعالمها في اندهاش وفرحة، رائحة الشباكية تغري البدويين يكتالون أكبر كميه منها ويضعونها في اصطل حديدية إشتروها خصيصا للمناسبة ،كثيرون يعمدون لأكل الشباكية في الشارع وكأنهم يذوقونها لأول مرة أو ينتقمون من مرارة الحياة بما هو حلو . نعود إلى منازلنا وكل منا محمل بحكايات وأغربها ما يقدم عليه أطفال المدينة الذين كانوا يعمدون إلى وضع مفرقعات في “قب” جلابيب البدويين وبين ثناياها ، ويضحكون للهلع الذي يصيبهم بعد انفجارها وصوتها المدوي. كما كان الرجال يهتمون بإخراج الزكاة للفقراء والمحتاجين ودوي القربى واليتامى وأبناء السبيل والأمهات يهتمون بتزيين بناتهن بالملابس التقليدية وكحل العين لنظارتها وقص الشعر ليزداد طولا تيمنا ومباركة بهذا الشهر الكريم أول شهر في السنة الهجرية بعد اكتمال الحول كما يقمن ببعض الأعمال اليدوية لمباركتها ولتقنيتها في العمل.
في المساء نرافق والدنا بعدما نتأنق بأجمل ما لدينا من ملابس؛ على طول الشارع لا تزال بقايا القلاليش المكسرة وبقع الماء هنا وهناك، أصوات الكرابة تنادي قرع الأجراس على طول الشارع إلى أن نصل ساحة سيدي بواحد، الازدحام على أشده ، نمر أمام بائعي اللعب ، أتأمل اللعب الجديدة لايسترعي انتباهي إلا الدمى ،أطيل النظر إلى دمية معينة ، شعرت إنها تنظر إلي ،لاحظ أبي نظراتنا المتبادلة أنا والدمية ، اشترى لي أبي الدمية ضممتها إلى صدري ، فيما أخي انقض على مسدس مائي،وكرة . نكمل الجولة عبر محلات الحلويات بأشكالها وأنواعها الفاكهة اليابسة وأنواعها الشباكية، جبان بألوانه الزاهية ومذاقه الممتع وبائعي الأبخرة ، في الجهة الأخرى كان أصوات الباعة وأصحاب الحلقة كل يصدح ليجمع حوله أكبر عدد من الجمهور متحديا باقي الحلقات بقفشاته وإيحاءات تضحك الناس فيما تتسلل بعض النسوة خجولات وهن يغطين وجوههن وضحكاتهن بتلابيب من حياكهن ، لاعبو السويرتي ،و رائحة الأبخرة تملأ الفضاء . نعود محملين بالحلويات والفاكية ، أحضن دميتي ، نصل المنزل ، أتعمد التسلسل والخروج إلى الحي حيث صديقاتي كل منهن تحمل دميتها ،نتعمد أن نجلس الدمى إلى جانب بعضها ونجلس متأملات مجلس الدمى وفي المساء تجتمع كل أفراد الأسرة ,أطباق الحلويات والفواكه اليابسة.والأطفال فرحة بما اقتناه الآباء والأهل من ألعاب وهداية بهذه المناسبة..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع