أخر تحديث : الأحد 3 فبراير 2019 - 3:25 صباحًا

خمسين درهم

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 3 فبراير, 2019 | قراءة

عمر الحيرش
نظر عزيز بين الأقدام العملاقة ، لاحت له الخمسون درهما و قد تغير لونها و انكمشت بعد أن داستها حوافر الشباب المتحمس و هم يقومون بحركات الجمباز في الهواء الطلق قرب مبنى دار الشباب .
لم يكن صاحبنا من الفضيلة في شيء لكنه يحب الإطراء كثيرا ، كان في جولة رفقة صديق له يتجولون في شارع مولاي علي بوغالب ذهابا و إيابا ، حتى إذا أكملوا الأشواط السبعة قفلوا راجعين لبيوتهم بعد الطواف المؤنس ليلا و المغري بالسهر في أيام شهر ماي الربيعية.
كان هذا برنامجا يوميا يتكرر برتابة و قد أصبح تغييره يتطلب جهدا و يفقد الحياة مذاقها الطيب ، لا شغل يقي الحاجة و لا حاجة له إذا توفر الضروري ، حالة من التعايش بين الفقر و الفقير ، و هكذا تمضي الأيام تتناسل في عقم ، حتى جاء يوم الفرج ، حين كانو يسعون بين الصفا و المروة بداية بنافورة المنار و نهاية بمقهى الطوطال ، أقفلوا عائدين ، فاستهواهم منظر مجموعة من الجغيمية يقومون في حماس بحركات رياضية في الهواء الطلق ، الجو بديع ولا بأس بلحظات من الفرجة تقتل آخر لحظات المساء ، كان الجغيمية في قمة الحماس يصرخون و يمتعون المارة بعرض مجاني ، فيما صاحبنا مسمر بجوار الحائط رفقة صديقه البائس ، حينها برزت الخمسون درهما و قد تجمعت أطرافها ، انحنى عزيز بهدوء ثم التقطها ، فإذا هي كنز من كنوز قارون حينها ، نظر صديقه للورقة و قد كست خضرتها عينيه ببريق وهاج حين همس : يالله عند الشاعر نتعشاو الأومليط و العصير !
فكر عزيز في الأمر لثواني ، قبل أن تنطق شفتاه بكلام ليس من شيمه : لا ، الأمانة ديال مواليها .
الصديق : وااااا عزيز شغدير ؟
عزيز : غنسول شكون مولاها !
بالفعل فعزيز رغم فقره لكن شجاعته تضاهي رغبته في الإحتفاظ بها ، لكن بوجود شاهد عيان على نذالته فلتؤجل النذالة إلى حين ، و هكذا فكر حتى لا يضطر لإقتسامها مع صديقه .
صرخ : شكون طاحتلوا شي أمانة ؟
اجتمع الشبان و شكلوا حلقة حوله يتساءلون : واش تلفون ؟
عزيز : لا
الشباب : بزطام ؟
عزيز : لا
الشباب : السوارت : …
ظلوا على هذه الحال قرابة النصف ساعة ، فيما عزيز متمسك بموقفه لا يخبرهم بماهية الشيء الضائع ، و كلما سأل عنه هز رأسه بقوة قائلا : لااااا .
الوضع طال حتى أصبح مملا ، و قد بحث الجميع في أغراضهم فلم يتبين أي شيء مفقود ، تقدم قائد المجموعة بكتلته الديناصورية وكان رفاد مفتول العضلات قد رسمت رياضة الجمباز خطوط على كل تقاسيم جسمه ، ثم رفع كفه منزعجا من الفعل المتصابي لصاحبنا.
الرفاد : الواحد عيصرطح مك ، ساعة و انت كتجبد فينا ! مبغيتي تقول ، مبغيتي تسكت ؟!
حينها اغتنم الصديق الفرصة ليهمس في أذن صاحبنا ، لعله يفوز بعشاء مجاني ينقذه من محصول اللوبية المخزن في البيت .
الصديق : يالله بحالنا ، قبل ميسد الشاعر أصاحبي !
حينها بدى عزيز أكثر استجابة لوسوسة صاحبه بعد الإهانة التي تلقاها ، حتى إذا هموا بالإنصراف ناداهم أحدهم
بلاتي أصاحبي بلاتي …
كان القادم يبسط كفه و يعدها ، عزيز يتساءل في حوار مع نفسه، لعلها مصافحة اعتذار ؟ قد تكون كذلك ؟ فليس في ما فعله أي سوء ؟ …
سسسسرفلااااااااااااق
أيقظته الصفعة من هيجان تفكيره لتصدمه بالواقع المر ، الصفعة كانت أقوى من أن يقف لها بغل بكامل لياقته ، فكيف بجسد عصفوري ، سمع دويها بعيدا في الأفاق حتى طارت عصافير كانت تبيت على شجرة قرب مبنى دار الشباب حين تمسك بها عزيز كي لا يقع أرضا .
الشاب : طلع خمسين درهم الراس دمك !
كان الأمر أقوى من أن يقاومه عزيز فالصفعة كانت شحنة كهربائية أشد من أن تترك له مجالا للإعتراض ، لعل الصدمة أصابت خمامته بعطل .
ناوله عزيز الورقة الوحيدة اليتيمة في جيبه قبل أن يردف
الشاب : مليد على خمسين درهم و كتلاهى بينا ؟!
عزيز : أنا كنت كنتسنى يبان مولاها باش نعطيهالو و الأمانة صعيبة …
قبل أن يكمل عزيز محاضرته حول الأمانة كان الشاب قد انصرف تاركا صديق صاحبنا فاغر الفاه و الحسرة تغمره بعد أن طمس حلم الأومليط و العصير .
عزيز : ولاد الحرام الحگارة …
الصديق : عبروا عليك ، كون مشينا تعشينا عند الشاعير ، العصير و الأومليط ، ها انت تعشيتي بجوج طرشات .
مضى الإثنين في صمت قاتم حتى مكان افتراقهم ليأخذ كل منهم طريقا ، أحدهم ببطن جائعة ، و الثاني بخد ساخنة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع