أخر تحديث : الإثنين 8 أبريل 2019 - 3:04 مساءً

قصة قصيرة : بائعة الورد

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 8 أبريل, 2019 | قراءة

حمزة الصمدي :

أفول الشمس اقترب، الجو صيفي حار و خانق، لا يكاد المرء يتنفس إلا بشقاء، كورنيش هذه المدينة الشاطئية غص بالزوار، من هم يستعدون للرحيل بعد يوم استجمام على الشاطئ و من هم يقبلون على مشوار مسائي على الكورنيش.
أمشي ثقيل الخطى نحو كرسي خشبي عمومي ألفت الجلوس عنده، لكنه اليوم مشغول، محفظة الظهر هذه تثقل كتفاي، جلست على حافة الكورنيش؛ الجدار القصير الذي يفصل رمال البحر عن رصيف الكورنيش، امواج البحر لا تبعد عني إلا بأقدام. مساء اليوم مساء غير عادي يختلف عن كل مساءات فترة إقامتي بهذه المدينة، طائرة عسكرية تحلق فوق رأسي، قادمة من مطار تطوان الصغير، لكن أين تتوجه ؟كلما بحثت بعيني في الفضاء الخارجي لمقهى “الريو” عن ذكراها، انتابني شعور الحنين و صرت أحوج إلى البكاء و تذكرت أني كنت حلقة خداع، انا الجبان، استطاعت أن تخدعني و أنا أضحك. صدقت كل أعذارها الكاذبة و تبريراتها السخيفة لأني كنت أحبها، و حسبت أنها تحبني هي الأخرى. أجتر ذاكرتي، أتوقف عند آخر لقاء؛ انتظرت طويلا حتى حسبتها لن تأتي، و لتبرير تأخرها استعارت بعض الدموع و ملامح حزينة، و صدقتها، كل المعقولات في عقلي تجبرني على أن أبصق عليها أو أوسعها ضربا، تمالكت نفسي و سايرت الوضع، بعدها جاء شاب في مثل عمري وقف بعيدا، لمحته هي و قالت لي أنه قريبها و لابد أن ترافقه لتطمئن على أمها العليلة، فصدقتها، جلست أتصفح كتابا، ليعود الشاب تانية مع رفيق له، فحدثه عن ما يربطه بالقريبة المدعاة، تمنيت الموت على أن أسمع ما ثلي أمامي.
حدث صاحبه مقهقها
ـــ إنها فاتنة ! أليس كذلك..؟
ـــ بضاعة جديدة ! ألعفريت..؟
ـــ و رخيصة.. اسمها فلانة و تدرس بالثانوية و…
طويت صفحات كتابي و هبطت دركات المقهى و قصدت البحر، كدت أختنق، صعدت دمعتان مسرعتان إلى مقلتاي منذرتان بحداد…
بعد كل ما حدث لازلت أجهل سبب تعلقي بهذا السراب الوهمي، حد أني سألتها ذات مرة :
ـــ ماذا يربطك بقريبك
ـــ قريبي..؟ إنه أكثر من أخي و عليك أن تألف وجوده…!
و لأني كنت تحت تحذيرات العينين، صدقتها و انطلت علي كذبتها.
الشمس تكاد تلامس مياه البحر، و محمد الحياني يناجي من وراء مذياع مقهى قريب :
“و أنت بعيدة
بعيدة…
أحن.. أحن
أحن إليك… ”
أكملت المسير نحو الميناء الصغير على طول الكورنيش الذي لا نهاية له في الذاكرة، أوقفتني طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها، رثة الثياب تحمل رزنانة ورود صغيرة، خاطبتني بصوت مرتجف رقيق :
ـــ وردة ؟ خمس دراهم ؟
أخدت منها وردة حمراء، ناولتها الخمس دراهم و انصرفت لاهدي الوردة لقلبي الجريح، علني أتصالح معه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع