أخر تحديث : السبت 1 يونيو 2019 - 6:11 مساءً

الرب لا يوجد خلف الجبل

ذ. _ محمد الجباري*  :

1 / 3
لم يكن لأهالي قريتنا الفقيرة من شيء تفتخر به أمام القرى الأخرى المجاورة إلا أمرا واحدا خصنا الله به دون بقية الخلق، فقريتنا البسيطة والمسالمة والتي توجد عند سفح الجبل اختارها الله أن تجاور مملكته في الأرض، بعد العشاء كان الرب يغادر عرشه في السماء فينزل خلف الجبل، لم تكن تفصل مملكته عن قريتنا إلا هذا الجبل المنتصب بيننا، أليس هذا أمرا يدعو إلى التفاخر والسعادة؟
لم يتجرأ أحد من القرية صعود الجبل، حدثنا كاهن المعبد أن رجلا خالف أوامر الرب وقصد الجبل ليلا لكنه قبل أن يصل إلى قمته ليشاهد من هناك مملكة الله احترق وصار في لمح البصر رمادا. الإحساس أن الرب هناك على مرمى حجر من القرية كان ذلك بقدر ما يفرحنا يخيفنا كثيرا فكنا لا نتجرأ على مجرد التفكير في صعود الجبل. فقط الكاهن من كان من حين لآخر يحمل قرابين أهالي القرية إلى الضفة الأخرى تقربا إلى الرب، يضع الكاهن القربان ثم يقفل راجعا لا يلتفت يمينا ولا يسارا، يظل بصره شاخصا إلى الأرض ثم يتسلق الجبل مسرعا نحو القرية ، كنا نحرص دوما رغم فقرنا أن يكون القربان جيدا يليق بعظمة الرب ، جاء المطر شحيحا في العام الماضي وحل الجفاف بالسواقي والآبار ، أخبرنا الكاهن أنه غضب وعقاب من الله لأن أحدا من الأهالي تباطأ في تقديم حصته من القربان. تبا لماذا العبيد لا يقدرون جيدا غضب الآلهة؟
ابتكر الرب طريقة خاصة من أجل التحاور معنا، فعندما نشاهد النار تشتعل فجأة في قمة صومعة المعبد نعلم أن الإله يود مخاطبتنا، كنا نركد جميعا نحو المعبد وعند بوابته نجد صحيفة معلقة على الجدار، إنها رسالة السماء إلى أهل القرية.
آخر مرة شاهدنا النار تستعر فوق الصومعة كان ذلك في موسم جني فاكهة العنب، كنت أقف أشاهد بمتعة البنت “نور” وقد عرت عن ساقيها فأمسكت بحواشي فستانها الأحمر إلى الأعلى وتوسطت قصعة كبيرة تجدف بقدميها عناقيد العنب وهي تغني رفقة فتيات القرية. ركدنا نحو المبعد وكانت صحيفة السماء معلقة على الجدار وقد كُتب عليها ” شراب العنب”، فصاح الحاكم: ” قربان الرب براميل من الشراب تحملها الدواب نحو الجبل ” .
لبست نور فستانها البرتقالي الجديد المطرز برسم عناقيد العنب والورد وسرحت شعرها الأسود إلى ظفيرتين جعلتهما ممدودتين جهة الصدر ووضعت على رأسها طوقا للياسمين، اتجهنا صوب الساحة لنحتفل مع الأهالي بموسم جني العنب ، كان المشهد احتفاليا حيث صخب الموسيقى والغناء والفرح، أمسكتني نور من يدي وصرنا نتوسط الراقصين، كانت نور ترقص بغنج تساير بخلخال قدميها الحافيتين ايقاع الطبول والدف، يا الله ما أجملك نور حين يتورد خداك بلون حمرة الشمس التي تتهيأ للرحيل. فجأة شاهدت الحاكم يشق صفوف الناس ويمسك نور من خصرها ثم يرفعها إليه، رأيت نور معلقة وهي تضرب بقبضتي يديها على صدره تحاول التخلص منه بينما الحاكم لا يبالي بصراخها، يضحك ملء شدقيه ويقول ” سأتزوجك الليلة أيتها الشهية “، يا له من حاكم أبله كيف طاوعته نفسه أن تمتد يداه لامرأة ليست له؟ ألا يعلم أنه بفعله الشنيع هذا قد اعتدى على القانون والأعراف؟ ألا يخشى غضب الرب الذي يقبع هناك خلف الجبل؟ كل أهالي القرية يعرفون العلاقة المتينة التي تجمعني بنور من أيام كنا طفلين نلهو بين المروج وجداول المياه حتى أن المعبد كان قد بارك حبنا في موسم جني التفاح الماضي ، تبا لماذا يمنعني الحراس من الاقتراب من الحاكم لكي أبطش به وأخلص نور من قبضته ، سمعته يقول وهو يختبئ خلف عساكره ” إنك يا فتى لن تستطيع منافستي” ، الجبان لا يستوعب أني من أجل نور أنافس كل حكام الأرض وليس فقط حاكم القرية.
توحد كل فتيان ورجال القرية من أجل نصرتي ضد الحاكم وبات الجو مشحونا ينبئ بحرب وشيكة، صارت المسافة تتقلص شيأ فشيأ بين عساكر الحاكم من جهة والأهالي من جهة أخرى، وبات الالتحام وشيكا لولا الكاهن الذي خاطب الناس قائلا ” اللعنة، أعتقد أن

2 / 3
الحاكم قد بالغ في الشراب وتصرف على هذا النحو، الحاكم كما أعرفه وتعرفونه جميعا حريص على الأعراف وعدم إغضاب الرب، كانت فقط مزحة منه قوموا للاحتفال واللهو” .
أمسكت بيد نور وعدنا للرقص وكأن شيأ لم يحدث. قبيل الفجر ونحن في طريق العودة إلى أكواخنا شاهدنا ألسنة النار فوق الصومعة، رسالة من الرب إذن، صرنا نركض اتجاه المعبد، وجدنا صحيفة الرب معلقة على الحائط وقد كتبت عليها كلمة واحدة فقط ” نور”..
صاح الكاهن في جموع الناس ” الرب يريد نور قربانا له “!
غادر الناس المعبد في صمت رهيب مطأطئي الرؤوس نحو أكواخهم ، من يتجرأ على معاكسة رغبة الرب؟ بت وحيدا قرب المعبد أحملق بعينين شاردتين إلى الرسالة ، هل علي أن أقبل بخسارة نور؟ عبثا حاولت أن أقنع نفسي أن الخسارة أمام الرب ليست عيبا، كنت قد عزمت لو تطلب الأمر أن أنافس كل حكام الأرض من أجل نور لكن ماذا لو كان منافسي هو الرب ذاته؟ حتى قبيلتي وعشيرتي تخلت عني بت مكشوف الظهر.
كثر الحديث بين الناس عن هذا القربان الذي تعتزم أن تقدمه القرية للجبل، هناك من كان يعتقد أن الرب سوف يصعد بنور إلى السماء، وهناك من كان يرجح أنها ستسكن قصرا من اللؤلؤ والمرجان وراء الجبل، وهناك من كان يظن أن علاقة القرية بالرب ستصير أكثر متانة بعد أن تنتقل نور إلى مملكة الله. وقفت بعيدا أشاهد مراسيم توديع نور، رأيتها تبحث بعينيها الخائفتين عني ولا تملك ترف العودة كانوا يدفعونها دفعا من أجل صعود الجبل، أنا الوحيد حبيبتي من كان يسمع هسيس نحيبك يخترق كل الضجيج وفوضى جمهور الناس، في لحظة ما لم أعد اراك كنتِ قد وصلت إلى المنحدر في الجهة الأخرى للجبل وسط الأهازيج والموسيقى. غادر الأهالي بعد أن اطمأنوا أنكِ صرت في ضيافة الرب، اقتربت أكثر من السفح وصرت رويدا رويدا أصعد الجبل، هل تراه سيحرقني ويجعلني رمادا لو أني مشيت خطوة أخرى إلى الأمام ؟ شعرت بالرب يقذف في قلبي الثبات للصعود خطوة أخرى بل خطوات، الرب الذي منحني القوة غير الرب القابع هناك مختبئا خلف الجبل ، وهل يليق بالإله التخفي والاختباء؟
منحني نور قرص القمر العالق في السماء رؤية أرض شاسعة خضراء ممتدة مد البصر، توغلت أكثر وسط غابة كثيرة الأشجار والوديان أقتفي أثرها، أستنشق عطر أنفاسك يا نور ولو كنتِ على بعد أيام من السفر، فجأة سمعت نحيبها، كانت وسط قفص من الحديد، تشابكت أيدينا بين أعمدة القفص الحديدية وهمست لي باكية: ” الرب، لا يوجد خلف الجبل بل الشيطان، تنكر الملعون في هيئة الرب”، قلت: ” دعني أخلصك من هذا الأسر” ، قالت مشفقة علي ” أنك لا تستطيع، لقد أحكموا القفص بعدة أقفال، أنهم ينصبون هناك الخيام لو رأوك سوف يقتلونك في الحين، لم يأت بشر وراء الجبل إلا وقُتل، عد إلى القرية وأخبرهم أن هنا مملكة الشيطان”
وهل سيصدقونني ؟ لا أعتقد أنهم سيستوعبون هذا الأمر، وماذا لو حاكموني بتهمة الكفر، وأمر القاضي برجمي عند الساحة الكبيرة أو شنقي عند بوابة القرية ؟
حين غادرت الجبل مررت بجوار المعبد، كان الباب مواربا لا أدري لماذا سولت لي نفسي صعود الدرج الاسمنتي الضيق نحو الصومعة المحرمة على الناس بدعوى أنها صومعة الرب، وجدت فحما وفتيلا وصحيفة من الجلد كتلك التي كانت تعلق على الجدار على أنها رسالة الإله.

3 / 3
شاهد الأهالي ألسنة النار فوق الصومعة فهرعوا لتلبية نداء الرب ، وجدوا الصحيفة معلقة كالعادة على الجدار وقد كُتب عليها: ” هلموا إلي” صاح شيخ وسط الجموع ” الله يدعوكم لزيارته، نحن ضيوف الرب ” ، لم يبق أحد في القرية صار الناس فرادى وجماعات يتسلقون لأول مرة الجبل، لم يجدوا الرب في استقبالهم كما كانوا يظنون وجدوا خيمة منصوبة وبداخلها الكاهن والحاكم سكارى منتشين بشراب العنب ، قربان الأهالي إلى الرب وبجانبهما نور مستلقية على التراب تنزف، لقد كانا في طريقهما من أجل التخلص منها، اقتربت منها أكثر ” نور إنك تحتضرين” رفعت رأسها قليلا ، ابتسمت حينما شاهدت الناس يرجمون الحاكم والكاهن وقالت قبل أن تُسمع شهقتها الأخيرة ” هو الموت بطعم الحياة” …..
كاتب*  وروائي مغربي مقيم بهولندا

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع