أخر تحديث : الأحد 30 يونيو 2019 - 12:44 صباحًا

لمن نعاتب ؟!

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 30 يونيو, 2019 | قراءة

ذ  –  الطاهر الجباري

وتسقط شمس الأصيل خجلى في غياهب الأفق الممتد … فيخفيها الشفق الدامي في صرحـــه الشفيف الممرد …خشيـةً من لـوثــة الـــحبـــر الداجي … وبعد .. يشهق الشفق محتضـــرا … فيتوارى في مخابئ غيهبه … فتكتحل رمــــوش السماء بمِرْود أجنحة الظلام … وتفترش الظلمـة أديم الأرض متدثرة في جرابها المدلج … ثــــــم بعد .. يأتي النغم .. في مواكب زاخرة بأصـــوات الطبيعة.. في عشوائية الايقاعات واختلاط رناتها الملحمية انصهرت في مكنون مفاتيح اللغــــات لتنساب في انسياب نـعـيـق الغــربان الــى عـواء الذئاب .. إلى حفيف الأغصان المترنـحة .. الـــى خشخشة الأكمام المتساقطة … إلى أزيز الريــاح المتردية… الى ذبذبة الهــوام المختفية … الــى كل حركة عابــــرة ذات معنى مجهول لا تدركه إلا نواميس الطبيعة المكتنفـة بألـغاز الـحيـاة بـيــن
الأرض والسمــــاء .
وانشقت ظلمة الغسق عن زرقة داكنة ، تفتـقـت عن إطلالة صبح شفيف..ملتمع ..بشمس ضحوك
تفتــحت لـهــا أكمـــامُ الأغـصـن بخــزات نــديـــة رائــقـــة … وبِـــارتـــواء خــــضــل ذي نـــداوة … وزغــردت الــعــصافـيـــر بــمــوسـيـقــــاهـــا في لغــة الألحان مغـــردة علـــى أفـنـــان الشـجـر أو علــى حــواف الســواقي الجـاريــة.. وجـنـبـاتُ الــغـاب صاغــيـة في سكــون وهـــدوء كانــمــا هـي فـي صَلاة خـشـوعٍ وتـقـديــرٍ لــهـذه الســيـمفــونــيـة الــروحــــيــة الــمــؤلــفــــة مــــن أوركــســـتـــرا الـطـيــور الشاديـة .
وفي جانب من جوانب الغاب ارتكن كوخ يـتـيــم وضيع في انزواء منقبض .. وقد التحفت أضلــعه بألـيـاف من الشجـر تـماسكت بـبـعضها البــعـض بامتزاج الطين المجفف بالعشب المشمـع ، وقـد توسطت كوةٌ صغيرةٌ على شكل نافذة أحدَ أضلعه لتـتسنى لصـاحـب الكـوخ الإطــلالــة مـنـهـا الــى خارجـه ، وقـد ارتفـع سقـف الكـوخ بأطـراف مــن جـذوع الــنـخـيــل عُــقِّـدَ بــقــوة بــعـضُـها إلــى البـعض كـمـا تُــبِّـــتَــتْ نهـاية أطرافـها بـــزوايــا اركـان الكـــوخ بأربـــطـة مـتـمــاسـكـة للحيلـولـة دون التــفـكـك والانــخـلاع ، وجـاء بـاب الـــكـوخ علـى مـــســتـوى مُـنْــحـنٍ يــتـطـلــب احـديـداب صاحبـه عـنـد كــــل ولـوج وخـروج .
وانشق باب الكوخ عن خروج شاب بهي الطـلعـــة قــوي الـبـنـــيـة ، واسـع المنكـبـيـن ، وقــد أخــذ نفسا عـميـقاً بمـلء رئـتيـه من هواء الصباح ثــم اقترب إلى مجـرى الغــذيـــر المحـاذي لكــوخـــه وأخـذ حــمــام الصبـاح ، ثم استـوى عـلى أريـكـة
عمِلَها من جذع شجرة متنـزها متأمـلا في هــذه
اللوحـة الحـيـة مـن رسـوم الطـبيعــة الـمـوشـحة بفـوضويــةالألــوان غـيـر مـقـيـدة بـنظام دخـيـل بشـري،إنمـا غــازلـتـهـا ريـشـة السمـاء بتهـاويـل الضيـاء وبغمزات الألوان المطرزة بكل أشكالهـــا وأصــنـافـهـانـفـذت الـى أنـفـاس الــفــتى آثــر أن يعـيـش منـفـرداً مقتنعاً بهـذه الخلـوة الهادئـــــة دون ضجـة الدنيا ،انـصرف إلى هذا الـتـــواصـــل الانفـرادي مبــتعـدا عــــن الـضـجـيــج والـزحــام لـيـرتـــب أفـــكـاره ويـــنـظـم عـــواطـــفـــه عـلى كـتـــف هــذا الـغــاب الـنـظـيــف الـنـقي نـــقـاءً بــدون شوائـبِ عالـمِـنــا الـذي هـدمـــه الإنسـان بالحـرب والطمـع والأنانية .
جـلـس وحيـدا بلا تـواصل إنســاني وَدَّ أن يــفـرغ مكـنـونـات قـلبـه ، أراد أن يُـعـاتـب دوران اللـيــل والنهار ، لا ، إنهـما نظام زمـني ثابت، مفطور على خاصية الثبات منذ أزلية الخلق هُّيِّئ من الخالــق
لتـداول الأيـام والأعــمار ، لا يَـد لـهـذا الزمـن في
نشوب الاحداث ، لمن يـعاتب ؟ هو حمـل ثقيــل مرهق .. فجأةً … قدم عليه قادم … كسَّر وحــدته
وقطع حبـال أفكـاره وأسبـابها ، والـقادم تشَمَّــلَ بــقـوس ونـبـال وأدارهـا عـلى كتــفــه ، وقــصـد الغذير ورشف مـنـه حـتى ارتـوى ولم ينبس بـبـنة شفة .. ويمر الغزال مطمئنا في مملكته ويمســك الوافد قوســه ويوجـه نبلتـه الى الغـزال ويـسقـط صريعا مثخنــا بدمــائه وحمله القادم ، والــفــتى ساكن الغاب يــشاهـد هــذا السينـاريـو الدرامي ، فالقادم هو الانسان كرَّمَه الغاب بالماء والخضرة والظليل لكن جازاه بقتل أحد رعايــاه فاهتزعرش الغاب فقد دخل الإنسان إلى فطرة الطبيعة بلوثة وعرف الفتى أخيرا لمـن يعاتب …. هذا هو عالم اليوم .. القوة تقتل الأمان .. هذا يثير الفزع .

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع