أخر تحديث : الثلاثاء 6 أغسطس 2019 - 7:59 مساءً

عشتار

عمر الحيرش
ناول زكرياء لفافة مطعمة بالحشيش لصديقه بعد أن التهم نصفها ثم قام متثاقلا من طول الجلوس : يالله نمشيو نتصنتوا لعشتار .
كانت هي من خيرة نجباء فصلها تعشق الأدب و الفن انخرطت في كل موائد النقاشات الثقافية و الأدبية و عضو نشط داخل منتدى الأدب و الفن بالثانوية المحمدية ، لم يكن يخطئها من سأل عنها ، مكانها داخل مكتبة الثانوية أو على خشبة إحدى العروض .
كانت المجالس الأدبية و الندوات لا تكتمل دون حضورها اللافت المطبوع على وجنتيها الورديتين حتى صارت محبوبة و مقدمة عند أساتذتها بين قريناتها من بنات المترفين .
غير أن الجمال لا يكتمل إلا بالنقص و تلك حكمة إلاهية في خلقه منذ الأزل ، بعض الحروف سقطت من لوحة مفاتيحها عند الولادة أربكت جمال صوتها عند الكلام ، كانت تجد صعوبة في نطق بعضها ، ما كان يضفي على صوتها لكنة طفولية تمضي بين سخرية البعض و حب البعض الآخر .
لم يكن سجلها الأدبي شيئا يذكر إلا من قصيدة يتيمة ألفتها حين مسها إحساس شعري هب مع النسيم ذات ربيع عنونتها ب (عشتار ) ، أطربت بها مسامع الجميع خلال إحدى المسابقات الشعرية لتتوج ملكة على القلوب لحسن إلقائها و جمال صوتها رغم العاهة ، لتلقب بعشتار تيمنا و سخرية كل حسب نواياه .
أما هو فكان تلميذا فاشلا ، حضوره عبء و غياب رحمة و هناء ، تاريخ رسوبه متكرر في كل مناحي حياته الصاخبة ،مكوثه بالدراسة لم يكن إلا مقايضة لأبيه عساه يلحقه بأخيه في دول الشمال ، لم يكن يصاحب إلا خيار القوم و باذنجانهم ، إذ أن وصف أراذلهم فيه من الظلم ما لا يليق بالرذالة .
اتخذ من جوار حائط المرحاض رابطة لقدماء الراسبين و مقرا لنشاطات مشبوهة بعيدا عن الأنظار ، هناك حيث تتوارى الفتنة كانت تحاك كل مؤامرة دنيئة ضد أمن الأشخاص و الممتلكات .
عرف رهطه من سقط المتاع و لمامة الفصول بجماعة أبو سياف لم يكن حضورهم مكانا يبشر بخير مطلقا ، و إن كتب و حضر نصفهم فالبقية تم توقيفهم لأجل مسمى .
قاموا من مربضهم و اتجهوا إلى المكتبة حيث تقام ندوة شعرية ، الدعوة عامة و ليس لوجودهم مع العامة مانع للكارثة إن حلت ، كان لزكرياء ثأر قديم مع الحب و آلهته لم يجد بدا من دفع ثمنه من كرامة عشتار نفسها .
اصطفوا عند آخر الصفوف ينتظرون الفرصة المناسبة للإنقضاض ، برزت شاعرتنا في زي تقليدي تتجول على الخشبة لتبدأ المناوشات .
أحدهم و قد بالغ في التحشش : عرس ولا ختانة ؟!
زكرياء : ماشي شغلنا ياك احنا معروضين صافي …
سمعت عشتار قولهم التفتت فبدى لها نهاية مستقبلها الشعري على مرمى بصرها ، كان زكرياء يضحك عن أسنان بعضها اصفر و من خلفه دعاة الفتنة ، تنبؤك حمرة عيونهم عن نواياهم دون إفصاح .
جاء دور المسكينة في إلقاء رائعتها و كانت تعلم أن القوم سفلة لم يتذوقوا شعرا هم و لا آباؤهم الأولون ، فكيف يميز ذوق أكثرهم من حمير بين الشعر و الشعير .
أخذت مكانها و حملت الميكروفون بعد تقديم قصير انطلقت في شذوها البلبلي :
الربييييييييييع فييي عيووون عشتااااااار …
كان ذلك رمز عمليات عند جماعة أبو سياف ليردوا خلفها في همس مسموع داخل سكون القاعة آهة طويلة
آآآآآآآآآآآآآآآآآآه
ارتبكت و احمرت وجنتاها من الموقف فعمدت على رفع صوتها علها تغالب خوارهم ، لكن عبثا ،
هي : الربييييييييييع فييي عييييون عشتااااااار
هم : آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا عشتااااااار
هي : يأخذنييييييييييي في ليييييييل …
هم : آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا ليل ..
لم تكد تكمل ثاني بيت من رائعتها حتى استسلم صوتها الشجي لتنخرط في بكاء و انصرفت فيما بقي بنو قريظة يسألون عن السبب كأنهم لا يعلمون قائلين : مسكينااااا

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع