أخر تحديث : الخميس 30 يناير 2020 - 12:45 صباحًا

أحلم أنني أطير فوق الحي الكبير

كانت الليالي ماطرة باردة. وكثيرا ما كان ينقطع التيار الكهربائي. فتقوم أمي لتبحث عن بقايا شمعة ملتصقة فوق لورنية المطبخ. أو بداخل كأس وضع فوق كرسي خشبي. وتكون الشمعة قد ذاب نصفها على شفاه الكأس. وإن لم تجدها أرسلتني مع لبريطة الدين إلى حانوت عمي عبسلام. فأستغلها فرصة لاتعلم الصفير كما يفعل الكبار. كنت أصفر في الأزقة المظلمة مدخلا في فمي أصبعي الأوسط والسبابة. ولكم كانت فرحتي عظيمة حين تمكنت من الصفير بإتقان وقوة. مثلما كانت فرحة لا تضاهى ساعة تمكنت من أن أقذف الكرة ورائي دون أن أستدير. ثم الفرحة التي لم تسعني حين قمت بضربات المقص فوق الإسفلت.
لعلني قبل الخروج، كنت جالسا فوق متربة التبن أراقب أبي وهو يقص سنابل الكيف وأوراق التبغ على لوح صغير. وعندما يكور كورة منهما بحكم بيضة ديك رومي، كان يطلب مني أن أبصق فيها. أو أن أدعكها بين كفي. ثم أخرج لأرمي زريعة الكيف داخل خم الدجاج. وأندهش لمنظر الديك بعدها حين ينقب رأس دجاجة أو دجاجتين ثم يعتليهما. وربما في تلك الأثناء تكون أمي قد عصبت رأسها بمنديلها من شدة الصداع. ومن تحت المنديل تظهر قطع البطاطس المستديرة، أو أوراق النعناع أو الخروع. كل هذا وأختي حبيبة متكومة بحجرها تسف بقايا حلوة البليلي.
عندما أعود، أندس في فراشنا الأرضي مع أخي. الذي لست أدري إن كنت أكذب عليه أم لا، حين أروي له عن هيأة المخلوق الغريب الذي رأيته بدرب سي رحال. وكيف نادى علي. وكيف أني هربت ولم أستدر حتى لا يجمدني في مكاني. ثم يأتي لاستدراجي إلى خندق يما الغويلة.
كثيرا ما كان أبي يترك كل شيء ويقوم للمطبخ، ليحضر لنا كمية كبيرة من الذرة المقلية. كانت طقطقاتها داخل الطنجرة ذات اليد الوحيدة تأنس ليالينا. كما يؤنسنا صوت المطر والريح على النوافذ والسطح. وأكون قبلها قد ملأت جيبي خلسة بحفنة من حبوب الملح المعداني.
أحلم أنني أطير فوق الحي الكبير . وأنني أجمع أسناني المتساقطة. و بأنني أعثر على قطع نقدية أملأ بها جيوبي الصغيرة. وأحتار أين أخبئ الباقي. وفي الصباح الباكر جدا أقوم قبل الجميع. أتسلل داخل الخم. ينتفض الدجاج ويهرب. وأبقى لوحدي مندهش بمنظر البيض الساخن في أعشاشه..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع