أخر تحديث : الثلاثاء 11 فبراير 2020 - 2:20 مساءً

حين تنازلت عن جثتي

كلما استيقظت فجر يوم الأربعاء من أجل أن أتهيأ للذهاب إلى المدرسة إلا وشعرت بالغبن، ولعنت هذه الإدارة التي تجبرني على آن أستيقظ باكرا لأغادر فراشي الدافئ في هذا الفصل البارد جدا، أخرج أبحث عن سيارتي في الظلام وقد أضطر في الكثير من المرات أن أزيل كميات ضخمة من الثلج سقطت ليلا وغطت هيكل السيارة، كنت أقطع مسافة ثلاثين كيلومترا التي تفصلني عن المدرسة في أكثر من ساعة من الزمن نظرا لشدة الاكتظاظ في الطريق وعدم المجازفة بالسرعة فالثلج يجعل عجلات السيارة سريعة الانزلاق .
أصل إلى المدرسة قُبيل الثامنة، في الساعة التاسعة والربع أكون قد أنهيت الحصة الوحيدة في جدول يوم الأربعاء وعليّ أن أعود من جديد إلى البيت!
كل ذاك التعب والقلق والجهد من أجل حصة وحيدة ! ألم أكن محقا عندما ألعن الادارة كل فجر يوم أربعاء وأنا أقوم فزعا على صوت المنبه؟
عوض أن أخرج من البوابة الكبيرة للمدرسة وجدتني أدخل إلى مكتب المدير لأشرح له مشكلتي أو بالأحرى ورطتي، فمن الممكن جدا أن أضم حصة الأربعاء إلى حصة يوم آخر في الأسبوع، وجدت المدير قلقا ومتوترا على غير عادته فما إن رآني حتى اعتلت ابتسامة كبيرة شفتيه وقال:
⁃ كنت سأرسل حالا في طلبك، لقد هاتفتني أستاذة البيولوجيا، قالت بأنها ستصل متأخرة للمدرسة لعطب لحق سيارتها في الطريق ، كان مبرمجا أن تأخذ تلاميذ القسم الثالث إلى المستشفى الجامعي في رحلة علمية واستكشافية، ما رأيك أن تعوضها؟
حتى قبل أن أتفوه بكلمة وجدته يقول مستعجلا وهو يهم بمغادرة الإدارة:
⁃ حسنا سأخبر سائق الحافلة والتلاميذ، هناك ستجد السيدة مادلين في انتظاركم.
مكثت وحيدا في الإدارة ولم يكن في رأسي إلا سؤال واحد أردده بحسرة وغبن ” ترى من جعلني أدخل أصلا لكي أحدث المدير ؟”
كانت السيدة مادلين في انتظارنا عند بوابة المستشفى، امرأة في أواسط الثلاثينات من عمرها، شعرها الأشقر القصير لم يكن يصل إلى كتفيها، بالكاد صنعت منه ظفيرة صغيرة، أما رموش عينيها الصغيرتين البراقتين والخضراوين كانتا تتحركان بسرعة، في الحقيقة كل شيء فيها كان يتحرك بسرعة ونشاط، يداها، حاجباها، ملامح وجهها بل كل جسدها النحيل ، فقط شيء واحد فيها كان راكدا لا يتحرك، جاثما كقطعة خشب، قدماها، لقد كانت تجلس على كرسي كهربائي متحرك.
صارت السيدة مادلين تتحدث بحماس إلى التلاميذ الذين كانوا ينصتون إليها وقد انسجموا كثيرا مع كلامها. فقط في تلك اللحظة علمت أن الغرض من زيارتنا للمستشفى هو موضوع “التبرع بالأعضاء”
كنت طوال الوقت أعتقد أن السيدة مادلين طبيبة مختصة في عمليات زرع الأعضاء فلقد كانت تتمتع بثقافة طبية واسعة ومعرفة كبيرة، حدثتتنا عن الأعضاء التي يمكن زرعها: الكلى، الكبد، البنكرياس، الأمعاء، الرئتين، النخاع العظمي، القلب، خلايا البنكرياس، الجلد، القرنية والعظام.
صارت السيدة مادلين تحكي عن تجربتها فعلمت حين ذاك أنها لم تكن طبيبة إنما متطوعة تنازلت عن إحدى كِليتيها لمريض كانت كليتاه الإثنتان متعبتين جدا ومنهكتين، وعندما رأت الدهشة في وجوهنا ( أنا والتلاميذ ) قالت مبتسمة:
⁃مادمنا نستطيع العيش بكِلية واحدة، فما الضير إذن لو منحنا الثانية لشخص آخر في أمس الحاجة إليها ليستمر في الحياة؟ ليس اعتباطا أن منحنا الرب كليتين في حين أن كِلية واحدة تكفينا.
ثم حدثتنا عن طفولتها الكئيبة وكيف أنها وُلدت بتشوهات خلقية قبل أن تكتمل مدة الحمل، وعندما وصلت إلى سن السابعة عاشت تجربة مريرة مع والدتها التي كانت تداوم على الذهاب إلى المستشفى من أجل تصفية الدم نظرا للقصور الكلوي الحاد الذي كانت تعاني منه، فكانت مادلين الصغيرة تنظر بعينين حزينتين إلى والدتها المريضة وهي ممدودة على السرير بينما آلة بجانبها وبداخلها دماء تدور كالطواحين المنتشرة على ضفاف الوديان .
عاد التلاميذ رفقة أستاذة البيولوجيا التي التحقت بنا مؤخرا إلى المدرسة بينما مكثت أنا في المستشفى، شعرت برغبة قوية في المزيد من الكلام مع مادلين، فعزمتها على فنجان شاي . أنا الذي جئت مرغما وكارها إلى المستشفى سأكون آخر من يغادره، من يصدق ذلك؟
جلستُ قبالة السيدة مادلين، فقلت:
⁃ أكيد الشخص الذي منحته كِليتك سيكون شاكرا جدا.
لكنها لم تقل شيئا، شعرت بعدم اكتراثها بالسؤال وكأني أخاطب شخصا آخر، عدم اهتمامها هذا جعلني أصطدم بسؤال قفز فجأة على لساني فقلت بدهشة:
⁃أم تراك لا تعلمين لمن منحتِ كِليتك؟
ضحكت مادلين فأجابتني بسؤال آخر :
⁃لو كنت أنت المتبرع، فهل ترغب أن تتعرف على الشخص الذي تنازلتَ له عن أي عضو من أعضائك؟
شعرت بالارتباك وبالحرارة التي صعدت فجأة إلى رأسي ” آه السيدة مادلين حرام عليك، كيف تضعينني أمام هذا الخيار؟ مجرد تخيل هذا الأمر أصاب بالرعشة حد الانهيار”
فقلت بصوت خافت جدا فلم أكن قد تخلصت من هول الدهشة بعد:
⁃ لم أفكر مطلقا في هذا الأمر طول حياتي، لكن إذا حدث ذلك فإني سأرفض معرفة الشخص الذي ستُزرع كليتي في جسده، حتى إذا ما شهدت رجلا غريبا يمشي في الشارع سيُخيل لي ربما أنه الشخص الذي يحمل كليتي فأشعر بالكثير من الألفة نحوه لأننا نقتسم نفس العضو الذي يمنحنا الحياة، تلك المرأة التي تطل من على السطح أو الطفل الذي يركض بشغب في الساحة أو سائق الحافلة بل كل من سأصادفه في طريقي سوف يُساورني الشك أنه الشخص الذي يحمل كِليتي الثانية، هذا سيمنحنا الاعتقاد أننا صرنا أكثر توحدا وقرابة.
⁃ تماما كما شرحت سابقا للتلاميذ أن التبرع بالأعضاء يجعل المجتمع أكثر تماسكا وحبا، لكن دعني أن أخبرك أنه في بعض الحالات تكون معرفة الشخص المتلقي للعضو مفيدة جدا، فمثلا السيدة ساسكيا التي فقدت طفلتها جراء حادثة سير، بسرعة نُقل قلبها إلى صدر طفلة أخرى تعاني من ثقب في القلب فكانت السيدة ساسكيا كلما شعرت بالحنين إلى طفلتها تذهب عند الطفلة الثانية لتستمع إلى نبض قلبها أو بالأحرى إلى نبض قلب ابنتها الميتة.
⁃ آه السيدة مادلين أليس غريبا أن يعيش القلب حياة أخرى داخل جسد آخر بينما جسده الأصلي يقبع تحت التراب ؟ ربما لا أملك الجرأة مثلك فأتخلى الآن عن أعضائي، لكن بعد موتي أ

⁃ آه السيدة مادلين أليس غريبا أن يعيش القلب حياة أخرى داخل جسد آخر بينما جسده الأصلي يقبع تحت التراب ؟ ربما لا أملك الجرأة مثلك فأتخلى الآن عن أعضائي، لكن بعد موتي أريد أن أتنازل عن جثتي فقد تكون مفيدة وتمنح الحياة لشخص آخر.
⁃ هذا شعور طيب منك فهناك الآن الكثير من الناس الذين تعهدوا قانونيا بالتنازل عن جثتهم لكن هناك أيضا من يرفض ذلك بسبب شخصي أو لمعتقادتهم الدينية
الدين، كيف لم أفكر في هذا الأمر؟ هل يمكن أن أكون مذنبا لو أني منحت المستشفى حق التصرف في جثتي وأعضائي ؟ أليس هذا الجسد أمانة من الله؟ فمنذ متى كان للناس حق التصرف في الأمانة ؟ كيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟
ذهبت ظهيرة يوم الجمعة إلى المركز الإسلامي بمدينة أوتريخت، كان المسجد ممتلئا عن آخره لكني عوض أن أدخل إلى فضاء المسجد صعدت الدرج قاصدا مكتب الإمام فاستقبلني رجل مسن بلحية بيضاء وبابتسامة هادئة، وجدتني أنظر إلى شعاع بريق ينبعث من عينيه ومن كل ملامح وجهه ، فقلت :
⁃ لدي استفسار حول رأي الدين في قضية تشغلني كثيرا.
⁃ ليس الآن ياولدي، بعد الصلاة أنتظرك هنا.
صرت أستمع إلى خطبة الجمعة، كان الموضوع حول القدر الذي يقتادنا نحو وجهتنا التي أُعدت لنا سلفا، سرحت أفكر، هل كان صدفة أن حصة يوم الأربعاء تنتهي عند الساعة التاسعة رغم إلحاحي على تغييرها؟ غياب أستاذة البيولوجيا والعطب الذي لحق سيارتها في الطريق وأخيرا دخولي عند المدير بدل مغادرة المدرسة، هل كل هذا من أجل أن تتهيأ لي الظروف لمرافقة التلاميذ للمستشفى وتعرفي على السيدة مادلين وموضوع التبرع بالأعضاء؟
قمنا لنصلي، في لحظة ما شعرت أن المسجد على اكتظاظه صار فارغا من الناس، لا يوجد إلا أنا والإمام يقرأ بخشوع جميل ” مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) … رغم أني كنت أحفظ عن ظهر قلب هذه الآية شعرت وكأني أسمعها لأول مرة، صار صداها يتردد بذبذبات متسارعة داخل أرجاء المسجد الكبير ، حتى الإمام خُيل لي أنه لم يعد موجودا وكأن الصوت ينزل مباشرة من الغيوم التي في السماء.
غادر جميع المصلين باحة الصلاة، وبينما كنت أتهيأ للخروج سألني الإمام:
⁃ ما هو سؤالك يا ولدي الذي كنت تود الاستفسار عنه قبل قليل.
فقلت مبتسما:
⁃ لا داعي يا والدي لقد عرفت الجواب.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع