أخر تحديث : الأربعاء 19 فبراير 2020 - 5:31 صباحًا

فزع

أوقفَ الطفل والده ، بينما كانا في طريقهما الى احدى المحلات لشراء الحلوى، وطلب منه ان يشاركه في العثور على مركبه الكرتوني ، الذي ضاع منه أثناء اللعب به على النهر .
إنبسطت أسارير الأب، وقد إعترى وجهه إنكماش، وشيب وعياء .
توقف .. وحمل إبنه ( بهاء الدين ) على كتفه، ولامس وجهه الملائكي ، ليعيد قراءة السؤال المُباغت الحزين ، في عينيه العسليتين .
إستشفَّ أبو بهاء الدين من خلال براءة ولده ، أنّ سؤاله لم يأت من فراغ.
حاول أن يمسِك بأول رأس الخيط، لأنه ليس من السهولة بمقدار ، أن يجيب عن سؤال ، وهو يفتقد للإجابة اليقينية .
فسأله : (( أين هو النهر ؟)).
فأشار بهاء الدين بأصبعه .. هناك.
إلتفت أبو بهاء الدين يمناه ويساره ، لعل الله يُحدث أمرًا كان مفعولا ، وهو متيقن ، أن ما حولهما ليس سوى خراب وأنقاض، وحواجز لا تسمح بالمرور.
لجأ الأب نحو فرع زيتونة عارية، لم تعد قادرة على الإنجاب لما لحقها من أيدٍ آثمة، وافترشا هو وطفله الأرض.
إستعان الأب ب (( لاحول ولا قوة إلا بالله))،عندها أجلس إبنه بهاء الدين على ركبتيه ، ومضى يصف له خارطة القرية، كاتمًا اصْطِكاكَ أسنانه.
– قبل عقود ياولدي ، كان عندنا بئر وساقية وزيتون وعشب ومدرسة وسوق. وفي هذا المكان بالذات ياصغيري ، وتحت قضبان هذه العجوز الشمطاء ، كانت عائلتنا تشرب شاي القيلولة .. ونسترخي تحت ظلالها، دون أن يَمسّنا وابل من أحد .
حدّقَ بهاء الدين الطفل في ملامح والده ، ربما بدافع غريزة الطفولة ، وهو في السابعة من عمره، وكأنّ شيئًا كان يتحرك بخَلَده، ولم يقدر على إسْتيعابه .
– كل الأشياء الجميلة إختفت يا أبي! وما هذا البناء المتهدم حولنا ؟؟
– إنه من صنع الطائرات الوحشية ، تفعل فعلها وتلوذ بالفرار !!
– عندما أكبر يا أبي .. سأصعد سلّماً لأمنعها من التحليق من فوق قريتنا .
إقشَعرَّ جلد بهاء الدين ، واحتضنه.. يأمره بلباقة ولطافة:
– هيا نشتري الحلوى قبل أن يسدل الظلام ستائره .

وما فتىء أبو بهاء الدين يكبِّر الله، حتى تناهى الى مسمعه هدير راعِد مقبل في اتجاه قريتهما.. إنتبه بهاء الدين الى والده قائلا :
– هذا هو الهدير الذي أفزعني حتى ضيعت مركبي الكرتوني يا أبي .
وهنا تيقن الأب ، أنها أضغات أحلام أصابت إبنه ، لتتحول الى أضغات على الأرض تفتك بالطفولة قبل أن تفتك بالأرض وما عليها .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع