أخر تحديث : الأربعاء 11 مارس 2020 - 10:27 مساءً

أقصوصة بلا نهاية. مذكرات لن تكتب: انا احب وطني ووطني لا يحبني

فتح الباب و زج به داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها الثلاثين مترا مربعا تكدست داخلها اجساد بشرية اختلفت اعمارها، تباينت ظروفها و تنوعت التهم المنسوبة إليها، لكنها كلها تتقاسم في تلك اللحظة قدرا مشتركا هو السجن الاحتياطي قبل صدور حكم المحكمة،لهذا ابتلعت المجرم و البريء تحت صفة مشتركة و هي : المتهم. مع ما قد يخلفه هذا القدر المشترك من ندوب و جراح قد تصاحب البريء مدى الحياة و يدفع ثمنها غاليا من صحته و من استقراره و توازنه النفسيين ، و ذلك بفعل تهم قد تكون احيانا ملفقة.
جال ببصره في المكان ووقف مشدوها من هول ما رأى يبحث عن كوة ضوء او بارقة أمل تنير عتمة أيامه تلك، بعد ثلاثة حالكة قضاها تحت تدابير الحراسة النظرية، قبل ان يحال على الحبس الاحتياطي بحكم محكمة رفضت تمتيعه بالسراح المؤقت رغم ما اكده الدفاع من توفر كل الضمانات القانونية اللازمة من كفالة مالية ، ضمان الاقامةو ضمان عمله باعتباره موظفا باحدى الشركات، و ذلك بسبب تقدير النيابة العامة التي تجاهلت الضمانات و استحضرت العلاقات متذرعة بصلاحيات القاضي في تقدير الحكم.
لكن طبيعة المشكل الذي تورط فيه الشاب و الذي كان نزاعا مع احد المسؤولين الفاسدين و المفسدين في البلاد و العباد بسبب رخصة بناء قام بمساومته عليها، و امام الرفض امتنع المسؤول عن الموافقة عليها مستفزا الشاب الذي قام بفضحه ليفتعل بعدها نزاعا بلغ حد الاشتباك بالأيدي حولها من قضية فساد لقضية ضرب و جرح.
لكن يقظة المجتمع المدني جعلت منها قضية رأي عام يتصارع فيها طرفان: مسؤولون متواطؤون مع زميلهم بشهادة زور تثبت عجز ثلاثين يوما مسلمة من طرف طبيب
نسي قسم ابوقراط و لا قبل له بغضبهم ان امتنع عن القيام بذلك، نظرا لكم التجاوزات و الخروقات التي يمارسها داخل مستشفى عمومي تستدعي مساءلته قانونيا ، و حقوقيون و محامون مؤازرون لشاب في مقتبل العمر تعرض لمؤامرة دنيئة بسبب حسابات لا دخل له بها.
اللطف الالهي و بصيص من حسن الحظ سخرا له داخل الزنزانة بعض الأشخاص الطيبين كان منهم مجموعة تضمنت افرادا من نفس العائلة، منهم موظفان ببلدية المدينة متهمون جميعهم باحداث عاهة مستديمة بمن قدر عليهم ان يدخلوا معه في نزاع.
نادى أكبرهم على الشاب، اذ لاحظ وجومه، فزعه و مظهره الدال على طيب منبته، فقد كان تواجده في هذا المكان امرا مثيرا للاستغراب، مع ما يبدو على ملامحه من براءة محتملة.
طمانه و تنازل له عن سريره،علما بان عدد الأسرة لم يكن يفي غرض ربع النزلاء الذين كان يصل عددهم احيانا الى الخمسين، و البقية كانت تتوزع بين افتراش الارض و اعتلاء السدة المعلقة بين السقف و الارض ، فكان جميلا طوق به عنق الشاب لن ينساه مدى الحياة. إنضم لتلك المجموعة و اصبح فردا منها ، و كان كبيرهم ذاك هو قائدهم، المسؤول عن اطعامهم مما يصلهم من أقاربهم و اسرهم من خارج السجن، و كذا حمايتهم وسط تكتل بشري متعددة و متناقضة روافده.
و هكذا توزعت المجموعات، ينجذب فيها الافراد لبعضهم بفعل مغناطيس الذوات التي تبحث عن ألفة اشباهها، يخدمهم جميعهم شخص من السجناء بمقابل مادي او ببعض من المؤونة المتوفرة.
اطمأن الشاب قليلا، اذ حظي بنعمة الإنتماء حينها لمجموعة تبدو متميزة عن كل الآخرين الذين كان من بينهم المرضى و المختلين عقليا.
منذ الوهلة الأولى اثار انتباهه شخصان او بورتريهان:
زكرياء، الشاب المريض نفسيا، الذي يستلقي على السدة العالية، منقطعا عن الدنيا، شاخصا طوال الوقت ببصره للسقف، ممتنعا عن الاكل و الشرب و الحديث، يسبح في ملكوته الخاص، و لا احد يعبأ بحاله رغم كل مظاهر الاكتئاب الحاد التي كانت واضحة عليه
وبا العربي، الكهل الذي لا يبرح مكانه هو الآخر فوق السدة، مراقبا الجميع و هو يدخن سيجارته رخيصة الثمن.هزيلا، شاحب اللون، نظرته ثاقبة للمكان بأسره، واجما طوال الوقت بشكل غير عادي و صامتا صمت الحكماء.
استمالت الشاب تلك الخلوة المفترضة وسط الحشد، فجلس بجانبه، معتليا بدوره السدة و اعجبته وضعية المتفرج من اعلى، فداب بعد ذلك على مجالسته و استمر على ذلك طيلة الشهر الذي قضاه هناك داخل زنزانة الحبس الاحتياطي.علم منه انه تاجر حشيش صغير جدا بالتقسيط، ضعيف الحال، مسؤول عن اسرة تتكون من زوجة و أطفال صغار لا معيل لهم سواه . صحته معتلة بسبب الفقر و ضيق ذات اليد، لا يقوى على ممارسة اي عمل يتطلب مجهودا جسديا، لهذا فمصدر رزقه الوحيد هو تجارة الحشيش الذي يعرفه بها كل سكان البلدة.
كان يمارس تجارته الصغيرة تلك طالما اسعفته الظروف بذلك قبل ان يفتقده السجن فيرتمي في غياهبه لقضاء فترة عقوبة سجنية جديدة يعود بعدها مباشرة لمزاولة نشاطه المعطوب و هو يسابق الزمن ليؤمن لأسرته ما يكفيها مذلة السؤال و الحاجة و يحميها من لسعات الجوع و مهانة الفقر و لو لفترة قصيرة، و هكذا كان يعيش دورة تتعاقب فيها الاقامة بالسجن او الترحال داخل النشاط الممنوع الذي لا يتقن غيره، و الذي كان محملا بالالم و بالوجع.
ذات صباح اخبر با العربي الشاب و هو يحكي له فصلا من فصول حياته عن رغبته الملحة التي يعذبه عجزه عن اشباعها ، و هي كتابة مذكراته، بادره الشاب باستغراب:
-لم لا تكتبها ؟ لديك ما يكفي و يزيد من الوقت.
أجابه الكهل بعد تنهيدة عميقة محملة بكثير من الحسرة:
-بغيت نكتب المذكرات ديالي، و يكون عنوانها: “انا احب وطني ووطني لا يحبني ” و لكن ما نقدرش لاني أمي ما كنقرا ما كنكتب .

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع