أخر تحديث : الأحد 3 مايو 2020 - 10:34 مساءً

سرديات : الغمز واللمز

على هامش قانون : 20.22 ،الذي يذكر بالظهير المشؤوم و الغير المأسوف عليه و الذي اصطلح عليه بظهير ” كل ما من شأنه ” و الذي كان الهدف من سنه هو كتم و إسكات الأصوات الحرة و الإجهاز على حرية التعبير.

الغمز و اللمز.

كان ” فؤاد الهلالي ” مدرسا في ثانوية المدينة ،و في نفس الآن عضوا نشيطا في إحدى نقابات رجال التعليم ، حيث يدعو للتجمعات ،يوزع البيانات و يلقي خطبا من أجل التعبئة لخوض الإضرابات بغية تحقيق بعض مطالب نساء و رجال التعليم المضمنة في دفترهم المطلبي.
كان القمع شديدا و الاستبداد قويا.
دعاه مدير المؤسسة إلى مكتبه ،و كان يجهل السبب.
استقبله بحرارة و تعامل معه بلطف و قال له :
” سي فؤاد ،إنك من بين خيرة أساتذة هذه الثانوية. عملي ،ديناميكي ، نشيط ،مهذب و محبوب لدى الجميع ،إلا أن جهات لا داعي لذكرها تخطط لاعتقالك.”
أجابه الأستاذ ” فؤاد الهلالي ” مندهشا :
” و من هي هذه الجهات و لماذا ؟”.
قال :
” إنها الجهات المخابرتية ،أَزْعَجْتَهَا بنشاطك السياسي و النقابي ،و بالتالي أعدت خطة مفادها ،أنك تحرض التلاميذ على الإضراب و تعلمهم مبادئ الإشتراكية و تشجيعهم على الإلحاد ، و ستستعمل جمعية آباء التلاميذ لهذه الغاية.
و قد طلبت مني هذه الجهات أن أعد لها تقريرا بهذا الشأن ،فرفضت كليا ،لأن الحقيقة غير ذلك ثم لأنك تعمل بضمير مهني عال جدا ،و لا دليل على هذه الأفعال .
لذا ،أنبهك إلى ضرورة الاحتراز و تهيئ نفسك للأسوأ ”
شكر الأستاذ ” فؤاد الهلالي ” مديره كثيرا ،و عاد للقسم مضطربا و لا يدري ما يجب عليه فعله.
و بعد مرور يومين على إخباره من طرف مدير المؤسسة ،أُبْلِغَ من طرف إحدى التلميذات التي كان أبوها شرطيا بالشؤون العامة ،أن هناك مخططا بصدد الإعداد يهدف اعتقاله بدعوى أنه يحرض الأساتذة على الإضراب بواسطة ” الغمز و اللمز ” ،و أن السيناريو الأول فشل لرفض مدير المؤسسة إعداد التقرير الذي طلب منه ،و كذا رئيس جمعية آباء التلاميذ ، و أنها استقت هذه المعلومات من أبيها .
استدعي أخيرا إلى مفوضية الشرطة و كان يعلم ما ينتظره ، هناك وجد أشخاصا شدادا غلاظا، أدخلوه قبوا ضيقا ،و أحضروا له محضرا مكتوبا و طلبوا منه توقيعه دون قراءته .
رفض في البداية ،فعذب عذابا شديدا.
أحيل على النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية للمدينة ،استنطقه وكيل الملك بحضور شخص آخر ،سيعلم لاحقا أنه ضابط في المخابرات ، فأنكر المنسوب إليه.
أحيل على السجن ،كان مرتبكا و مضطربا ،نظرا لحداتة سنه و لكونه لم يكن يعلم شيئا عن المكان (السجن ) الذي ستقيد فيه حريته.
هناك ،التقى في البداية ببعض الأشخاص المجرمين ،فانتابه خوف كبير ،إلا أنه سرعان ما تدارك الأمر و جعل نزلاء السجن من المجرمين و من غيرهم يهابونه ، يخافونه و يحترمونه رغم حداثة سنه ،و ذلك بسبب سلوكه: جدية ،استقامة ، نزاهة و عطف على البؤساء منهم.
زاره محاموه و أكدوا له أنه متابع من طرف النيابة العامة بالظهير المشؤوم ، الذي وضعه المستعمر من أجل قمع الوطنيين و هو الذي اصطلح عليه ب ” كل ما من شأنه ”
و أن مضمون المحضر يفيد أنه يقوم بتحريض الأساتذة بعدم التحاقهم بالعمل بواسطة ” الغمز و اللمز ” ،و أن هذه الادعاءات ليس بالملف ما يؤكدها ،باستثناء تصريح أحد أعوان الإدارة.
بعد لقاء الأستاذ ” فؤاد الهلالي ” ومحاميه، أحيل مجموعة من رجال التعليم المعتقلين على السجن . و من خلالهم علم أن الهدف الحقيقي من اعتقاله كان هو عدم مشاركته في حدثين .
الأول : التعبئة لنجاح “يوم الأرض “.
و الثاني : إضراب رجال التعليم الذي كان مقررا في شهر أبريل.
كان في زمرة رجال التعليم الذين حُبِسُوا، بعض من اعتقل في بداية الستينات و السبعينات و اتهموا بالتآمر على قلب نظام الحكم.
كانت لهم دربة و دراية و تجربة سجينة مهمة و قدرة هائلة على تدبير الزمن السجني. و هكذا أعدوا برنامجا تثقيفيا و تكوينيا و كذا ورشات لإعداد التقارير و البيانات.
انطلقت محاكمة الأستاذ ” فؤاد الهلالي ” و تبين أن ملفه فارغ ،كما أن عون الإدارة لم يحضر للجلسات بالرغم من توصله الاستدعاء.
فشلت إذن ،الجهات التي طبخت ذلك الملف في الوصول إلى مبتغاها،إلا أن الحكم كان صادما حيث أدين الأستاذ من أجل المنسوب إليه.
قضى فترة اعتقاله في القراءة و المناقشات العميقة و صياغة البيانات ،كل ذلك ساهم في تكوينه و تطوير مداركه.
أفرج عليه بعد قضائه العقوبة الحبسية المحكوم بها .
خرج الأستاذ ” فؤاد الهلالي ” من السجن ،معتزا بنفسه ،قويا ،أبيا.
لقد رغبت الجهات الاستخبارية إسكاته و شل فعله النضالي ،إلا أنها أخطأت لأنها ساهمت من حيث لا تدري في :
ميلاد مناضل كبير .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع