أخر تحديث : الأحد 17 مايو 2020 - 12:56 صباحًا

سينما بريس كالدوس

على حافة مقهى” التريفل “جلست ذات صباح، ارتشف قهوتي نص/ نص وأقرأ الجرائد اليومية. و بجانبي جلس عبد المولى صديقي وظلي ، كما يحلو لأصدقائي تسميته. يقرأ هو الآخر الجرائد ،لكنه، و في نفس الوقت كعادته ،يفرك حبات السبحة الملفوفة على معصم يده اليسرى. و بين الفينة والأخرى يجيب على هاتفه الخلوي الذي لا ينقطع رنينه. و مما كان يثير غيظي و تساؤلي: كيف له أن يجمع بين هذه الأشياء . يقرأ و يسبح و يجيب على الهاتف .إنه في كل مرة يندفع بعيدا ليرد على المكالمات التي غالبا ما تستمر طويلا.
لكن هذه المرة، و على غير عادته ، لم يطل الحديث. عاد متعجلا ، و طلب من النادل أن يناوله جريدة “الصباح” وسرعان ما أخفى وجهه وراء صفحة “الثقافة” . يقرأ بإمعان و توتر ويصدر همهمات لم أستطيع أن أتبين فحواها.
ظل الصمت مطبقا على الشفاه لفترة . و ظللت أهفو لمعرفة سبب انحسار رذاذه الذي كان يملأ المكان قبل قليل، و خفوت صوت اصطكاك حبات سبحته التي كانت تنثر على الصمت ترانيم الصباح. عاد ليطلق همهمات لكن بصوت متحشرج هذه المرة، وقد أطرق برأسه و كأن في حلقه غصة. تأملت مليا وجهه الغضن، الذي بدا لي كأنه مطلي بجير من شدة بياضه ،بحثا عن سر يمحو رجع الصدى الذي ينبعث شاحبا من صمت طافح بالحنين يغشاه من بدئه إلى منتهاه. فلم احظى بغيرمزيد من الصمت و القلق …
وضعت الجريدة جنبا، و مسكت كأس القهوة بكلتي راحتي يداي و رشفت السائل بداخله ،الذي بدا لزجا و مرا بعض الشيء، بصوت مسموع. لعلي أخرج عبد المولى من غفوته التي طالت . لأني أعرف أني كلما ارتشفت السائل بهذه الطريقة .كان يعقب بانفعال محبوب : اشرب اييه و اتجرجيف علاش علاش !
و لما لم ينتبه أخرجت سجارتي، و لم أتنح بعيدا كعاتي لأ لَّا أوذي أحدا بالدخان الذي يملأ الفضاء، وتعمدت أن أطيل سحب الدخان من السيجارة حتى ما إذا طرحته غشى المكان كله كأنه بوغاء. لأني كنت أعلم كم كان يكره رائحة الدخان . و كلما تضايق من رائحته العطنة ، صاح و خرزات سبحته تتراقص في يده: نتم تبقو و حنا نمرضو !
و في كل مرة ينتابني إحساس بأن الذي يشغل عبد المولى ربما شيء له وقع السحر. لأنه غيب كل ما تعودناه منه من أفعال، ربما لتكرارها أضحت لازمة لسلوكه . لم يعقب على كل ما فعلت . بل تخلص من سبحته و وضع تلفونه في قب جلبابه الابيض.
وفرش الجريدة بدفتي أوراقها على الطاولة. و استدار نحوي و الدمع يغالب عينيه .وأخرج صوتا كأنه يرتفعه من بئر سحيق:
-أليس هذه جريمة نكراء يا نجيب؟
أن تطال يد الغدر و الجهل معلمة من المعالم الثقافية بالقصر الكبيرلتغتالها بدم بارد، و تغتال معها تاريخ أجيال من أبناء و بنات المدينة.
من منا لا يحتفظ بذكريات جميلة و هو يدلف سينما السويقة أو مسرح بيريس كالدوس كما يحلو لآبائنا تسميته. كيف يسمحون لأنفسهم أن ينزعوا عن المدينة كل أصيل ومتجدر؟
بالأمس تركوا سينما العريان للنسيان حتى تعرت ذاكرة القصريين . و بالأمس الآخر تركوا سينما اسطوريا و المنصورتحتضران و اليوم وصل معول الهدم و التخريب لسينما السويقة.
-ماذا سينبتون مكانها ؟
عمارة ؟ قيصارية ؟ مقهى ؟ مطعم ؟… و هل القصر في حاجة لمزيد من الآجر والاسمنت ؟ و هل القصر محتاج للزجاج البراق و الماء الذي يسيل على الحيطان و الأضواء تتراقص حوله ؟
إن سياسة السيرميك البراق و الآجر الملون و الاسمنت المسلح قتل فينا كل جميل . بدءا من اغتيال خراديل المدينة التي كانت تشيع في أنفسنا حب الجمال و تلهم منا كل عاشق ولهان . ألم يقولوا في مصرأن كل من شرب من ماء النيل اكتسب صوتا نديا و صار مغنيا. ألم تسمع ماذا تواتره القصريون، و أجزم لك أني سمعته كذلك من أبي، أن كل من جلس في خراديل المدينة و تنفس هواءها أصبح شاعرا. ألم تلاحظ أن المدينة تعج بالشاعرات و الشعراء… و أن كل فقيه أو عالم بها و إن استحيا أن ينظم في الغزل حتى لا ينعت بالشاعر ،نحا بنفسه إلى نظم الحكم و أقوال التقوى و تيسير قواعد النحو و الفقه. و مع ذلك لعنة الخراديل تلاحقه فتفوح سهوا أو عنوة من بعض أبياته رائحة الصبابة و الوجد. و كم منهم من تدثر بلحاف الصوفية ليستجدي قاموس العشق و الوله.
آه يا نجيب !!! ألم أقل لك. لقد قتلوا في المدينة كل جميل وملفت، وراهنوا على الأنواء ليغطوا بها وجهها الذميم الذي يبعث الملل في قلب كل من له طموح و حلم. واستوردوا الزهر الذي ينمو و يخبو قبل أن يرتد عبقه لفظا و معنى. لقد سئموا أصوات الشعراء و أنات العشاق و المحبين.
من سرعة ما تلفظ به عبد المولى من كلام ، و اختلاط صوته بحشرجة مشوشة على نبره، لم استطع أن تبين كل ما أهرقه من شكوى هي أقرب إلى المناجاة كما أحسست. كنت أنقل بصري بين وجهه العابس و شفتيه التي تتحرك بسرعة وبين الجريدة المسجية بيننا وأنمل أصبع يده اليمنى و هي تضغط عنوانا مكتوبا بالبنط العريض : و يستمر اغتيال المعالم الثقافية للقصر الكبير.
ابتسمت ابتسامة بلهاء و قلت له لماذا أنت حزين الآن ؟ ألم يقل صاحب المقال: و يستمر الاغتيال. بمعنى أن معالم أخرى سبقت يد الغدر و أعدمتها فلماذا يؤلمك حدث اليوم إلى هذا الحد؟
فعلا كل قصري من جيلنا يحتفظ بذكرى عن سينما بريس كالدوس. و أنا الآخر احتفظ بالعديد من الذكريات الجميلة لكن ببعض الذكريات الحزينة كذلك… أتسمح لي أن أسرد لك بعضا منها ،لأني متأكد أن استرجاعي هذا سيجعلك تتذكر لماذا أنت حزين اليوم. وسألح عليك لتحكي لي بعضا مما أثاره هدم سينما السويقة في نفسيتك التي أعرف أنها حساسة جدا.
و أنت تعرف كبقية القصريين، كان يوم الجمعة بالنسبة لنا يوم عيد متجدد على مدار الحول. اللافت فيه أن فضاءات السينما بالمدينة كانت تشكل المزارات المفضلة عند الشباب. و سينما السويقية بالخصوص كانت المقصد المتفرد لتميزها بعرض الأفلام الهندية المثيرة ،لاعتمادها على الغناء و الرقص و القصص الرومانسية التي تحكي غالبا على تفوق العايل على الري و القمارة وزواجه في النهاية بمحبوبته.
و ذات جمعة، لم يكن بدا من اقتناء التذاكر من الشباك، لأننا في الغالب كنا نلتجئ للسوق السوداء لتفادي الازدحام الشديد . لكن هذه المرة لم نكن نملك إلا ثمن التذاكر.
اتفقنا أنا و صديق لي أن نرفع أخي محمد عاليا فوق الرؤوس ليقتني التذاكر كما يفعل الآخرون بما أن الفوضى هي السمة الغالبة في مثل هذه الظروف.
رفعناه عاليا ثم نط بخفة زائدة على الرؤوس و تشبت بشباك التذاكر و هو يصيح:
ثلاثة دلوراق خينرار… ايه خنرار.
و نحن نوشك أن نسحبه أحسست بضربة سياط كأنها أفعى طوقتني من منتهى قفاي إلى انحدارة ظهري ، ثم تتالت الضربات بعنف و مع كل ضربة يتلوى جسدي و ينكمش فانحلت دونما ارادة مني قبضة يدي من رجل أخي المعلق على الرؤوس .و استدرت بخفة حتى اتفادى المزيد من الضربات . لقد كان مجندا حليق الرأس يلبس زيا عسكريا يضرب بحزامه الغليض يمينا و شمالا حتى يفسح المجال أمامه نحو شباك التذاكر. أما أخي محمد فلم يحس و العهدة على الراوي إلا و أسنان قد غرست في بطنه جعلته يفرج عن ما في قبضة يده و تسقط أثمان التذاكر و يسقط هو معها بين أرجل المندفعين و الهاربين من سياط الجندي المتنمر.
و أنا أتحسس ظهري براحة يدي و أضحك ،نظر إلي عبد المولى بعينين مشعتين لا أعرف إن كان ذلك بريقا من بقايا دموع أم من فرحة مؤجلة . و قال بنبرة كلها اصرار و تحد. و مع ذلك فأنا متأكد أنك و أخيك محمد لم تنقطعا يوما عن الذهاب للسينما . بكل بساطة لأن السينما بالنسبة لجيلنا كانت وسيطا أمينا لترسيخ ثقافة حصنتنا من كل أشكال التيه. و جعلتنا ننفتح على كل الأفكار الخلاقة و ننصت بكل جوارحنا لقضايا مجتمعنا و قضايا كل المجتمعات الانسانية.بفعلها تعززت لذينا القيم الوطنية و الكونية . و آمنا بالعيش المشترك.
أتعرف لماذا أنا حزين اليوم ، لأن غلق سينما هو بمثابة تحييد رافعة أساسية لتحديث و تطوير المجتمع. و انتكاسة حقيقية في مجال الرفع من منسوب الوعي و الانخراط في الحداثة.
هل عرفت لماذا أنا حزين اليوم … لأن سينما بريس كالدوس و غيرها من السينمات الأخرى فتحت لنا المجال لتحفيز الابداع الجميل الذي كان يسكن ذواتنا في وقت كنا نتلمس الطريق الصحيح…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع