أخر تحديث : السبت 22 أغسطس 2020 - 2:12 مساءً

سخرية القدر


تدخل امرأة مصحوبة بشابة يافعة مكتبه، يدعوهما أن يجلسا. هناك ثلاثة كراسي، تشكل شبه دائرة على طاولة من خشب، مدثرة بجلد أسود و فوقها بضع ملفات. يميل برأسه و أطرافه العليا جهة يساره إلى شاشة الحاسوب، دون أن يحرك الجزء السفلي من جسده . و يتشاغل بالنقر على لوحة المفاتيح، و يحرك الفأرة بخفة، و هو يحدد الاختيارات بسرعة و بدقة . و ينتظر أن تتكلم السيدة. و لما طال صمتها، نحا ببصره فاستقر بين الزائرتين اللتين تتشابهان بشكل مثير.
لا حظ أن الشابة تعض على أناملها، و تجيل بصرها بغرفة المكتب، و تجلس على الكرسي بطريقة غريبة كأنها ممسكة يديها تحت رجليها. و يبدو عليها عدم الارتياح. أما السيدة فقد ضمت راحتي يديها لبعضهما البعض، و و ضعتهما على مقدمة فمها المغلق، كمن يرقب شيئا، و تصوب عينيها نحو الجالس أمامها كأنها تنتظر الاذن بالكلام.
قال و هو يسترق النظر للسيدة، و شبه بسمة تعلو وجهه :
مرحبا آش حب الخاطر.
تبادلت النظرات مع مرافقتها و قالت بصوت خفيض:
أريد شهادة مغادرة ابنتي. فمؤسستها الخاصة أحالت ملفها المدرسي على ثانويتكم. و أنا أريدها أن تستمر بالتعليم الخصوصي.
استدار هذه المرة كليا ، و ظهر عليه نوع من الحزم و قال :
من حق أي ولي أمر أن يقرر أين يدرس ابنه .غير أني لا أستطيع أن أسلمك شهادة المغادرة لأن القانون يلزمنا بتسليهما للأب فقط.
تصدر عن فيها ابتسامة شبه بلهاء، و تقول بصوت أكثر نبرة هذه المرة:
أعرف ذلك … و لكن ، أنا أمها . خذ هذه بطاقتي الوطنية لتتأكد من هويتي.
المشكل يا سيدتي ليس في تحديد الهوية، و لكن في منطوق القانون.
عذرا سيدي . إن لأبيها مسؤوليات و لن يستطيع المجيء. و إن أردت أن تتأكد من صدق كلامي، فخذ رقم هاتفه و اسأله بنفسك.
و شرعت في سحب سبابتها من على شاشة هاتفها المحمول جيئة و ذهابا. و في نفس الوقت تبسط يدها اليسرى، و هي تمسك بالبطاقة الوطنية .
تردد برهة، ثم سحب منها ورقة البطاقة الوطنية. و جال بإمعان بين اسمها الشخصي و اسمها العائلي.
رغم أن أنفاس شهر شتنبرما تزال تنثر الدفء على منطقة الغرب، وتسحب هواءها المنعش عن المدينة، فقد أحس باختناق و ضيقا في التنفس .نظر إلى النافذة و باب المكتب فتأكد أن أنهما مشرعتان. قام بفك الزر عن ياقة قميصه، و وسع من قطر ربطة عنقه. فأحس أن نسيما باردا يخترق خياشمه و يتسرب ببطيء إلى حلقه. شعر بتحسن طفيف .و ليداري ارتباكه الذي طوقه. نظر مرة أخرى للمرأة الجالسة أمامه، لكن هذه المرة بعينين لمعت منهما شرارة غريبة ، و طارت بتفكيره إلى زمن بعيد . وتملكه شرود داهم ،غيب جسده عن المكان و الزمان.و ليتأكد من الشيء الذي يفكر فيه، استرد وعيه متحاملا على نفسه، و سأل المرأة و عيناه ما تزالان مركزتين عن البطاقة الوطنية، وبالضبط حول مكان الازدياد :
هل أنت من مكناس؟
فأجابت بتلقائية، غير أن عينيها يبدو أنهما يستفسران عن سبب السؤال:
نعم.
ولكي لا يدع تفكيرها يحوم بعيدا قال والابتسامة لم تقارق حنكه :
سألتك عن ذلك، لان لي أسرة بمكناس.و تسكن قرب مركب ألعاب القوى بحمرية.
قصد تحديد المكان بدقة حتى يتأكد مما يشغل تفكيره.
جاء جوابها مسرعا ،وابتسامة ليس لها معنى ترتسم على فمها، الذي بدا واسعا مما أثر على باقي الملامح الدقيقة لوجهها الدائري، الذي يحتفط بالكثير من الجمال :
إذن يبدو انهم من جيراننا، حتى أنا كنت اسكن هناك بذات الحي، لما كنت مع عائلتي. إنه مرتع الطفولة وبداية الشباب.
و استدركت حتى تؤكد أكثر أنها من نفس الحي :
وبالضبط منزلنا يقع ضمن فيلات موظفي السكك الحديدية التي تطل على المركب.
لم ينبس ببنت شفة.
أتكون هي ؟ إنها هي بكل تأكيد . و إن كانت هي !!!.كيف للقدر الذي فرق عنوة بيني و بينها و باصرار، لما بحث كلينا عن الآخر، أن يطفو بها على سطح حياتي فجأة و بعد ست و ثلاثين سنة. وفي مدينة محايدة . لا هي مدينتها مكناس ولا هي مدينتي القصر الكبير.
إنها سخرية القدر، و المشيئة الربانية لاتمام الأمر. ولكن لماذا لم يثر تواجدها أمامي الآن أي شعور أوإحساس. قلبي مازال في مكانه، ودقاته ما تزال تنبض بانتظام. و وجهي لم تعلوه حمرة الخجل، كما أن صوتي وتفكيري لم ينقطعا ، و أنفاسي بدت هادئة وحركة الزفير و الشهيق منتظمة بشكل دقيق.
ها هي ذي أطرافي لم تصب بشلل و لا لساني أصيب بالخرس… جسدي بارد والقلب غير منبهر.
و في زحمة الأسئلة المرتبكة، والتيه في التفكير، حمله شرود داهم إلى غيبوبة ناعمة ،هي أشبه بالحلم، أوصلته إلى زمن بعيد…
في تلك الليلة من ليالي شهر دجنبر الباردة و الممطرة، وفي ذلك الزمان الغابر والجميل، و هو مدثر وممدد على سريره وحيدا في الدور العلوي من البيت.لا مؤنس ولا ونيس إلا من أصوات مذيعي إذاعة طنجة و هي تصدح عبر الأثير، و ما يصدرعن اخواته البنات من الدور السفلي من اصوات تصله متقطعة عبر فتحات المنور المكشوف على الدورين. فجأة أصاخ السمع لصوت مذيعة وهي تسرد عناوين أناس يبحثون عن أصدقاء. فأخذ القلم و دون عنوانا لفتاة تدعى نجية من مدينة مكناس، و تبحث عن صديق للمراسلة.
و في الغد راسلها وحكى لها أنه شاب من مدينة القصر الكبير وهي مدينة صغيرة في شمال المغرب . وقد ركز على تحديد الموقع الجغرافي مخافة ألا تعرفها. و أكد لها أنه يحب التعارف و يقدس الصداقة. ولا يود سوى تبادل الأفكار و التجارب والتقرب للجنس الآخر لمعرفة بعض خصوصياته التي لم يستطع معرفتها لتحجر المجتمع الذي يعيش فيه بدعوى المحافظة و الاذعان للتقاليد و الأعراف … و الحياة التي تقترب لحياة الزهاد و المتصوفة. و مستعد للبوح بكل ما خفي من تفاصيل عن جنسه الذي سمي بالخشن.
وقد كانت فرحته عارمة حين جاءه الجواب بعد أسبوع ، ومما أشاع في قلبه دفقة أحاسيس جميلة طريقة ترحيبها ، وأسلوب كتابتها الذي ينم عن شخصية رقيقة و لبقة وحساسة. ألفاظها منتقاة بعناية وأفكارها واضحة وشفيفة.
و استمرالتراسل بينهما منتظما. وكلما وقف ساعي البريد أمام منزله وهو يحمل بين يديه رسالة من رسائلها المميزة ، لأنها غالبا ما تختار أظرفة رسائلها من النوع الممتاز شكلا و نوعا ، وتعطرها بأريج طيب، أحس كأنه يقف أمامها ،ويلوذ بالصمت، ويحس أن قلبه يخفق بسرعة حتى يكاد ينقلع من مكانه ، و كأنه على أهبة التوقف.ويشعر بإحساس غريب.
ويزداد ذلك الاحساس غرابة و يتحول إلى جاذبية لطيفة، و هو يقرأ رسائلها. وفي كل مرة ،لا يقرأ الرسالة مرة أو مرتين . بل يقرأها مرات لا حصر لها ،حتى يكاد يحفظها عن ظهر قلب. وفي كل قراءة يكتشف شيئا جديدا. أوهكذا يتوهم . حكى لها عن تفاصيل حياته، وعن كل آماله و طموحاته، وأسر لها عن أحزانه وخيباته.و حكت له عن كل كبيرة وصغيرة عن أجواء عائلتها. وعرف من رسائلها كل شيء عن صديقاتها.
كانت تنقل له ما يجري بثانويتها اللانزهة من مقالب التلميذات. وكان يحدثها عن صديقه الحميم و عن ثانويته الوحيدة في المدينة و عن أساتذته. ولكن اللافت في رسائلهما معا خلو الحديث عن عواطفها و مغامراتهما الحميمية. فقد كان يخاف أن يخدش كبرياءها.فيما لم تسأله يوما عن حبه. و إن كانت له علاقات غرامية. وبعد ثلات سنوات من التراسل الأسبوعي. انتقل لمدينة فاس ليواصل دراسته الجامعية في حين انتقلت هي لمستوى البكالوريا .
و رغم أن الحياة الجامعية مترفة و مشرعة عن كل العلاقات و الصداقات الكثيرة، لم يتوقف عن مراسلتها ، ولم تخبو لهفته وهو يستلم رسائلها من بهو الحي الجامعي ظهر المهراز. بل أصبح يتوهم أنه يشم رائحة جسدها في رسائلها ،و هي تنزلق نحوأنفه الحساس .كما أن الحياة الجامعية ساعدته على تنويع محتوى ما يحكيه لها ،حتى أنها اعترفت له في إحدى رسائلها ما كان يخفيه عنها من أنها لا تشعر بالملل وهي تعيد قراءة رسائله أكثر من مرة. .
في إحدى رسائلها ،و كانت علاقة التراسل بينهما امتدت إلى خمس سنوات ، وقد صادف ذلك عودتها من تجربة دراسية فاشلة، أحس من سياقات بعض جملها أنها تود أن تعرفه عن كثب.رحب بالفكرة و طرح عليها فكرة أن تسافر إليه لمدينة فاس خاصة وهويعرف أن لها خالة تسكن بهذه المدينة.حيث لا يشكل مجيئها شبهة لدى عائلتها.
انتظر بشوق ولهفة ذلك اليوم . وكان يوم عطلة دراسية . هطلت الامطار غزيرة في ذلك الصباح، لكن الجو رق وصحا بعد الظهر.وهو ينتظرها بالمكان الذي اتفقا عليه، أحس بأن جسده يضطرم ، و أن تفكيره يتخطى الحاضر و يرجع به إلى خمس سنوات خلت. ويتذكر كل رسائلها و حواراتهما. يتحاشى أن يضع لها صورة في مخيلته. فهو متأكد أنها جميلة ، فمن يحمل أفكارا متقدمة و نفسا كأنه النور المشع، لا بد و أن له جسدا فاتنا و جميلا جمال قلبه المبهر،و لسانه العذب.
لم يعر اهتماما للوقت الذي تسرب بسرعة مذهلة ، أو هكذا أراد أن يقنع نفسه. لكن الحقيقة المفجعة أن نجية لم تأت . و أن الشمس غابت و وجه الكآبة لاح في الأفق.
لم يخبر أحدا و تعزى بالنسيان. و آل على نفسه ألا يراسلها إلا إذا بررت له تخلفها عن الموعد الذي انتظره خمس سنوات. غير أنها لم تراسله و لم تبرر له عدم مجيئها، و توقفت عن مراسلته…
ها هي ذي أمامه بعد ستة و ثلاثين عاما . ها هي رائحة جسدها تنبعث من رسائلها و تغشى خياشمه، و تفطر قلبه المكسور. ها هي أمامه في نسختين . نسخة لم تتجاوز ربيعها السادس عشر و هي النسخة التي انتظرها على رصيف إحدى مقاهي الأطلس بفاس منذ أكثر من ثلاثة عقود و لم تأت و لم يتمل وجهها الغض و الطري . و نسخة تجاوزت الخمسين من العمر، و هي النسخة التي يعرفها لكن من خلال كتاباتها.
و في لحظة قرر في تعنت مقاومة موجة من التذكر التي تجتاح عقله الباطني ، و أسرع إلى طبع شهادة المغادرة، و ختمها بطابعه الذي يحمل اسمه الذي كثيرا ما كتبته على ظهر أظرفة معطرة.
و مد إليها المطبوع وهو يبتسم، لكن هذه المرة ليس لها .و إنما لسخرية القدر الذي أرسى موعدا تأخر ست و ثلاثين سنة…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع