أخر تحديث : الثلاثاء 11 فبراير 2020 - 6:57 صباحًا

القصر الكبير : نوستالوجيا الأشخاص ، و الأمكنة . ( الجزء 2 )

نحن أبناء مدينة تنبعث ذاكرتنا من عمق تاريخها ، ويستعر دفؤها من داخل مشاعرنا ، و تؤكد هويتنا من تراثها الخالد ، نحن أبناء درب سيدي سليمان و النيارين ، وساحة المرس ، والهري الفوقي و الهري التحتي ، و سيدي منصور ، و دراز النوار ، هذا الأخير الذي له طابع خاص في مخيالنا ، إذ كان هو مصدر مصروف جيوبنا وتكوين جزء من طبائعنا من خلال ما نحصل عليه من مصروف الجيب الذي لا يتعدى ” جورج دربعات” 20c أو “ست دلبيون” 15c في اليوم كأجر عن ملء بكرات الصوف بواسطة الناعورة او فك تشابك القيام على المطوي ، أو رد النزق على المعلم ميلود ، و عبدالسلام البايدي وأخوه أحمد رحمهم الله عليهم عند عملهم على المرمة أثناء نسج رقع الجلابيب الصوفية الحرة أو الصوف المستعملة “حرودة” و ذلك من أجل الذهاب يوم الجمعة إلى سينما بريس كالدوس أو أسطوريا أو الطبيعية والتي كان ثمن الدخول إليها آن ذاك 25c للتفرج على أفلام” ماسيسط وهيركول و اسبارتكوس وأوليس و ستيفرفيس و أفلام رعاة البقر، “دجانكو و الرينكو” و الهنود الحمر و الافلام الهندية كالصداقة و ليلة في باريس و انتقام الحية و الافلام العربية كالوردة البيضاء و رصاصة في القلب و لحن الخلود و الوسادة الخالية و اسماعيل يس في البحرية او في الطيران وغيرها من الأفلام الكوميدية الغربية مثل ” استلاوري وبلهاردي و شارلي شابلان” و لويس دو فنيس.
لا يمكن نسيان كراء الدراجات من عند اليهودي فلالو و اعمار الريفي و العربي أو شراء البطاطس المسلوقة والطورطية و البدنجان المخلل و الحلزون من عند با عبد الله و ابنته خديجة لعفريتة.
لا ننسى ساحة المريح وتمييزه بشخوصه و عادات أهله الأصيلة ، من خلال اندماجهم مع بعضهم كأسرة واحدة حتى انهم كانو يسهرون على تربية الأبناء و مراقبتهم بصفة جماعية و تبادلهم لأكلاتهم المتميزة بينهم( التذويقة) مثل البقولة والرزيزة والفتات و بركوكش والدويدة و الحساء (الحريرة براس الحانوت) و صيكوك و خبز الذرة البيضاء ( الدردوشة ) مع البطاطس الحلوة المطبوخة بفران حمادي والسردين المقلي الذي له رائحة وطعم خاص الذي لا زالت لها أثر بين في نفوسنا اذ تحرك فينا رغبة لذيذة عند شمها.
كما لا يمكن تجاهل الأصوات المعتادة التي كانت تصدر عن الباعة الجائلين كل صباح ، و التي كانت تردد صداها صابة أطاع الله و مدخل دار المصباحي الكبير ، وأغلب دروب العدوتين -الشريعة و باب الواد- كصوت عيشة البدوية ذات الصوت القوي ، والجسم الفارع ، التي تحمل على ظهرها قفة كبيرة تتدلى منها عدة حبال وتصيح( ها تااافزة و الداد وشندكورة و العكرب أو تيغشت) هذه المواد التي كانت تستعمل في التداوي ، أو تلميع الأواني المعدنية وتنظيفها ، وكذلك صوت اليهودي بنشابو الضعيف النظر ، التي كانت ابنته الجميلة دوما تتعلق بتلابيبه وهو يصيح( باقي واحيييد ) بينما هو يعلق في عنقة خمسة روابيز و يتدلى على جنبه كيس يضع فيه بذور البطيخ الأصفر و الأحمر الذي يبتاعه ببضع فرنكات بعد جدل مضن بينه وبين نساء الدرب اللواتي كن توفرنه لشراء بعض أغراضهن التجميلية كالحنة و الورد و السواك و القرنفل و الغاسول و الكحل و الحرقوص
كانت شخوص المرياح لها طابع خاص فهناك البقال علي الرهوني الذي كان يشبه شخصية الحاج كرشة في هيأته خصوصا عندما كان يجلس على مقعدة مصنوعة من ورق البردي (الخب)فيصبح محيط عجزته في الهواء و مركزها على(فرتالة الخب) كما جاء في رواية زقاق المدق للروائي نجيب محفوظ .
با ، علي الرهوني هذا الذي كنا تخشاه نحن الأطفال لغلظتة و صرامته بينما كان يتبرع علينا في بعض الأحيان بحلوى الساعة ، او لعب أكول و الحلاق الجزائري الوسيم المشهور بمعاكسة لفتيات الحي والوزاني عبد السلام بائع الفحم المشهور – بنقبان – حيث كانت تثيره مناداته بهذا اللقب من طرف بعض المشاغبين خصوصا نحن الاطفال ، ودار العكايلي الجزار المشهورة بليالي الحضرة العيساوية و الحمدوشية التي كنا نجد فيها ضالتنا في اللعب و الشغب ، و عمي رحال السفانجي الذي يغدق علينا كل صباح بعباسيته المربعة عند ذهابنا إلى المدرسة كل صباح وأسناننا تصطك من شدة البرد. و هو يصيح ( صلاعنبي فضل ). هؤلاء هم ساكنة حي الشريعة و باب الواد ببراءتهم و بساطتهم هؤلاء لا يملكون الا كرامتهم متمسكين بقيمهم وأصالتهم و حلال قوتهم لقد كانوا بعيدين عن ديماغوجيا الزمن الرديء و بوليميك السياسيوية الرخيصة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع