أخر تحديث : الأربعاء 15 مايو 2019 - 9:06 مساءً

الأستاذ عبد القادر الغزاوي يكتب: مكانة مدينة القصر الكبير التاريخية والفكرية

بقلم : عبد القادر الغزاوي

بعض الكتاب والباحثين والقراء والمهتمين بتاريخ وثقافة المدن المغربية، يتساءلون ويستفسرون عن غياب الاهتمام بتاريخ وتراث وثقافة مدينة القصر الكبير من طرف المؤسسات والجمعيات المهتمة بالحفاظ على تراث ومآثر المدن التاريخية. ومدينة القصر الكبير لها تاريخ قديم، وحضور بارز في مختلف العصور التاريخية والدول المتعاقبة بصفتها إحدى المدن المغربية العريقة والقديمة، وأول حاضرة في المغرب، والتي يقول عنها الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله، ( تعتبر أول حاضرة في المغرب ما زالت قائمة … وقد كانت مهبط رجالات العلم والفكر والتصوف في إفريقيا الشمالية في مختلف العصور) (1).
مدينة القصر الكبير من المدن القديمة التي خلدها التاريخ، وقد تعاقبت عليها مجموعة من الدول، وكانت تعرف بعدة أسماء كأوبيدوم نوفوم OPPIDUM NOVUM، وقصر عبد الكريم وقصر صنهاجة وغيرها، حسب ما ورد في بعض المصادر والمراجع العربية والأجنبية. وجاء في كتاب : ” الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين” لمحمد حجي ما يلي : ( القصر الكبير، ويسمى أيضا قصر كتامة وقصر عبد الكريم مدينة قديمة تقع في سهل فسيح على ضفاف وادي اللوكوس. ورد ذكرها عند البكري في المسالك والممالك، وابن خلدون في العبر، وابن الخطيب في الإحاطة وغيرهم). (… وازدادت شهرة القصر الكبير بعد معركة وادي المخازن أو الملوك الثلاثة، التي جرت بضواحيه في أواخر هذا القرن) (2) .
ومعلوم أن هذه المعركة الشهيرة وقعت بالقرب من مدينة القصر الكبير على وادي المخازن، والتي تعد من الأحداث البارزة في تاريخ المغرب المجيد، بل في تاريخ العالم، وتعرف كذلك بمعركة القصر الكبير، وبمعركة الملوك الثلاثة (عبد الملك السعدي ومحمد المتوكل السعدي وملك البرتغال دون سبستيان)، فهذه الأسماء إن تعددت فالهدف واحد، وأنها جميعا تؤدي إلى المعركة التي وقعت بين السعديين والبرتغاليين يوم 04 غشت سنة 1578م ، حيث انهزمت الجيوش الصليبية، وكان النصر حليف الجيوش المغربية. بعد هذه المعركة ازدادت مكانة المدينة شهرة كبيرة وانتشارا واسعا.
وقد خلدت هذه المعركة المغرب بصفة عامة، ومدينة القصر الكبير بصفة خاصة في صفحات كتب التاريخ والحروب الإسلامية. وتم ذكر هذه المعركة في عدة مصادر ومراجع تاريخية عربية وأجنبية. يقول الأستاذ عباس الجراري : ( … حفظت للمغرب سيادته وكيانه، وحالت دون وقوعه في شرك التبعية والانقياد للقوى المتشوفة للهيمنة، أي صانت له استقلاله عن جميع القوى المتطلعة لبسط نفوذها وسيطرتها عليه، كيفما كالنت هذه القوى، سواء أكانت القوى المسيحية الكاتوليكية المتمثلة في الدولتين الإسبانية والبرتغالية ومن ورائها الكنيسة والبابا، أو الإمبراطورية العثمانية التي كانت وافدة من المشرق تزحف على العالم المعروف آنئذ، لكنها وقفت عند حدود المغرب لم تستطع تجاوزها للتسرب إليه).(3).
وتبعا لهذا الانتصار الكبير الذي أحرزه المغاربة في هذه المعركة الشهيرة، فقد كتب عنها جماعة من الأدباء كتابات عديدة، ونظم العديد من الشعراء قصائد تمجد بالمعركة، في مختلف العصور التي تلتها، خاصة الشعراء المغاربة. ومن الشعر المغربي الحديث أشير إلى قصيدة جميلة ورائعة قيلت في الموضوع، وهي للأديب الكبير والشاعر المتميز الأستاذ حسن الطريبق الواردة بديوانه ” ما بعد التيه “، يقول في مطلعها :

تمضي القرون ولا تفنى مزايانــا ×× أشعة المجد لاحت من سرايانــا .

ومدينة القصر الكبير لها حضور تاريخي مجيد عبر مختلف العصور والدول، وكانت مقر بعض الإمارات، كإمارة بني اشقيلولة في عهد الدولة المرينية، وإمارة بني العروسيين في عهد الدولة الوطاسية، وإمارة الخضر غيلان في عهد الدولة العلوية، وغيرها. إلا أن هذه الإمارات لم تدم طويلا حيث بادت وانتهت بانتهاء رؤسائها وموتهم. بالإضافة إلى أنها كانت تعتبر سوقا تجاريا ومركزا اقتصاديا، يقصدها التجار من مختلف المناطق، وممرا رئيسا لمختلف الاتجاهات نظرا لموقعها الجغرافي. ويقول عنها السلطان مولاي سليمان العلوي ( 1180- 1238هـ/ 1760- 1822م) في كتابه ” عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي ابن الجد” : (… وكان القصر إذ ذاك مقصودا للتجارة وسوقا تجلب إليه بضائع العدوتين وسلعها إذ كان ثغرا بين بلاد المسلمين وبلاد النصارى دمرهم الله تحط به رحال تجار المسلمين من ءافاق المغرب وتجار الحربيين من أصيلا وطنجة والقصر الصغير وسبتة ولأنه كان محل عناية سلطان المغرب إذ ذاك الشيخ ابن أبي زكرياء الوطاسي فكان القصر قاعدة بلاد الهبط التي كانت موقع شرارة السلطان المذكور وملبث ناره وموشج عصبيته مع مجاورته لبلاد الحرب فكان نظره مصروفا إليه واختصاصه موقوفا عليه وتقبل بنوه مذهبه بعده…).(4). ناهيك بالأدوار البارزة والمهمة التي كانت لها عبر المراحل التاريخية والعلمية والفكرية المختلفة ، حيث ساهمت بحظ وافر في تكوين العقول والأقلام التي ساطعة في تطور الفكر والثقافة.
وهي تعد مدينة الأولياء والصلحاء، والمفكرين والعلماء، والكتاب والأدباء، والفنانين والشعراء، والوطنيين والشهداء. (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)، الآية رقم 23 من سورة الأحزاب .

يتبع …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع