أخر تحديث : الخميس 7 مايو 2020 - 11:01 مساءً

دار وحكاية : 7 _ دروب مظلمة .

دار وحكاية سلسلة رمضانية بعدها الأستاذ عبد المالك العسري ، حلقة اليوم يكتبها الدكتور عزيز الهلالي  .

***

قبل أن يرخي الليل سدوله، تتسلل أشباح صغيرة تحمل حجارة وترشق منزل مسعودة ومردوخ، ثم تفر نحو وجهات متفرقة. وبعد استراحة قصيرة، ينتظم الهجوم من جديد، ليباغت متجر فلالو للدراجات. يسقط على المتجر وابل من الصخب والصياح، فيخرج فلالو مسرعا يجري خلف الأطفال، يحاول أن يقتنص من هو بطيء في الركض. عندما يتعذر عليه الإمساك بضحيته، يعود إلى دراجته ويسابق المجهول في الأزقة والدروب المظلمة والضيقة.
في جنح الظلام، تقفز حكايات فوق الذاكرة، قصصا كثيرة سمعناها عن أرواح شريرة تحوم في خِرْبَةٍ بجوار مردوخ ومسعودة. تداعب هذه الحكايات أجفانا صغيرة، فنستسلم إلى النوم بسرعة، مخافة من زيارتها المفاجئة.
في الصباح ونحن ذاهبون إلى مدرسة سيدي بواحمد. نمر بمنزل مردوخ، الذي يقابل منزل مسعودة، يتملكنا الرعب الشديد، خوفا من يد قد تمتد على أكتافنا الصغيرة وتسحبها نحو كهف مظلم، فتوزع أطرافنا قطعا على صغار الكائنات الشريرة. ظل هذا الشعور هوسا متصاعدا يسكن مخيلتنا. أما عندما نقترب من الخِرْبَةِ، فإننا نسارع إلى فتح فرجة صغيرة تحت أعناقنا ونبصق بقوة، فينتشر الرذاذ فوق ثيابنا، ثم يستقر باردا فوق صدورنا. نقرأ المعوذتين ونطلق أرجلنا للريح.
في المساء، سمعت أمي تحكي لجارتها عن “حبابي طنجاوية” التي تسكن مسافة خطوات من دار مسعودة. وبالمناسبة هي امرأة عجوز، حط الزمن بهدوء شديد على كتفيها، فتهاوى ظهرها إلى الأمام، فصار قوسا شبيها بطلعة هلال في لياليه الأولى. في الطريق التقت أمي “بحبابي طنجاوية” وهي عائدة إلى منزلها. سألتها أمي: هل كنت في المقبرة؟ فأجابتها: هذه الجمعة أعرضت عن الذهاب إلى المقبرة، وتوجهت إلى اليهودي صاحب متجر الأثواب. فسألتها أمي: هل استقدم أثوابا جديدة؟ أجابت: لم يكن غرضي شراء الأثواب، بل قصدت المحل من أجل ربح الثواب. سألتها أمي باستغراب، كيف ذلك؟ قالت: أرهقت اليهودي هذا اليوم. بالغت في طلب الأثواب وعرضها. كلما طلبت ثوبا إلا ونشره، ثم يعيد لفه من جديد. لم أتوقف عن طلب المزيد، حتى أحسست أن اليهودي جف عرقه. تنفست “حبابي طنجاوية” الصعداء، وقالت: اللهم تقبل منا، واجعله خيرا لنا في الدنيا والآخرة.
كانت الجمعة يوم عطلة، نذهب مساء إلى السينما. تُعرض أحيانا، أفلام قصيرة بقاعة المنصور، تُصور التعذيب الذي يتعرض له الفلسطينيين من قبل اليهود. مدة العرض كانت كافية، لشحن طاقة الغضب وتنظيم حملات هجومية، مباشرة بعد خروجنا من قاعة السينما، على دار مسعودة ومردوخ وفلالو وفرتونة وماركوس وليغرية وخوسيه ومومي ودوري وديروتي…
صباحا نتوجه إلى المدرسة، في الطريق نمارس طقوسنا المعتادة. ثم نسابق الريح. ندخل إلى القسم في حركة منظمة مثنى مثنى. يحاول المعلم استظهارنا. يتعذر على عقولنا المنهكة، بفعل حملات الأمس الهجومية والمصحوبة بشحنة الغضب، أن نستظهر ملخصات الأسبوع. وبحركة غاضبة، يقصد المعلم أحد التلاميذ ويمسكه بقوة من ثيابه، ويحاول سحبه من المقعد، لكن التلميذ يتشبث بأطراف المقعد. فيقول المعلم بغضب: كْبْحَالْ لِي كَنْجُورْ لِيهُودِي لْجَامَعْ.
بثانوية المحمدية، كان أحد الأساتذة يحدثنا عن أسماء يهودية تناصر القضية الفلسطينية ومناضلة في صفوف الحركة التقدمية، كالسرفاتي وسيون أسيدون… لم يجد هذا الكلام مكانا في ذاكرتي؟؟!! ذاكرتي لا تختزن سوى الخِرْبَة ومسعودة وفلالو وأفلام تعذيب الفلسطينيين… وجدت ما يقوله الأستاذ غامضا ومرعبا. كيف تتحمل ذاكرتي إشارتين مقتضبتين في مدة زمنية خاطفة، أمام مخزون ممتلئ بالمعايشة الملموسة. عايشت بجوارحي ومشاعري، ولم أكن وحدي، صورا ساهم في نسجها جماعة، وأنا عضو في هذه الجماعة.
بعد مرور الوقت، قرأت في إحدى الكتب، على أن الفيلسوف اليهودي ابن ميمون، أُجبر على الهجرة، في القرن الثاني عشر الميلادي، من أوروبا المتشددة، فلجأ إلى العالم العربي، واستقبله صلاح الدين في قصره بالقاهرة. كما أن الساسة المسلمين في الأندلس، منحوا مناصب عالية لبعض اليهود، والمثال هو عبد الرحمان الثالث ووزيره اليهودي هازدي بن شبروت.
حصل في داخلي ما يشبه الاحتراق، احتراق وقائع تاريخية، سواء في البيت والشارع، أو في المؤسسة التعليمية. كيف يمكن أن تتعايشا في ذاكرتي، تمثلات اجتماعية مع حقائق تاريخية؟ ثم ماذا يعني أن أعيش برأسين؟ هل أمتلك القدرة على هدم ماهيتي، كإنسان استقبل الوجود من خلال سلطة اللغة؟ هل يمكن أن أقاوم، من أجل حمل قاموس لغوي جديد؟ هل حرق الذاكرة كفيل من أجل استنبات معارف جديدة

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع