أخر تحديث : الثلاثاء 12 مايو 2020 - 9:40 مساءً

بعيد عن المرسم،قريب من المعاناة

لم يأت الفيروس الكاسح لكي يهدد وجودنا،بل عمل أيضا على سجننا،نهرب من مواجهته عبر الحجر و وتعقيم عاداتنا..هو الآن أقوى ويفرض علينا نمطا غير مألوف في الحياة،نمط نعيد خلاله بناء علاقات جديدة بين الذات والآخر والمكان. صارت الفضاءات المغلقة ملاذنا،أو بالأحرى أضحت ملجأ للأمان مادامت محصنة ضد هذا العدو الشرس..
قبلت على مضض كل المتغيرات الطارئة في حياتي اليومية، حاولت التأقلم معها، لكن،مسألة واحدة كانت قاسية وصعبة ،مسألة تتمثل في حرماني من مرسمي المتواجد بالمضيق بعيدا عن إقامتي بتطوان ،هذا البعد ألمني كثيرا..لأن المرسم بالنسبة لي هو ملاذي،ملجأي،وفضاء ممارسة حب الإبداع بكل طقوس هذا الحب.صرت أغبط أصدقائي الفنانين الذين يتوفرون على مرسم بمنزلهم،لأن هذا الامتياز يمنح لهم إمكانيات التعبير وترجمة كل ما يتراكم بوجدانهم من تفاعل إزاء هذا المستجد اللعين…
أعترف أنه في ظل الهواجس الكثيرة التي خلفها عندي الوضع المستجد…يبقى الحنين الكبير يراودني لأجواء مرسمي…فضاؤه الشاسع يمكنني من تجريب كل مغامرات الإبداع سواء على المستوى التقني أوعلى مستوى الموضوع الذي أشتغل عليه، لا حرج عندي هناك في تلطيخ سند مهما اختلف حجمه بحركية قوية للمسة فرشاة دونما احتياط من تطاير رذاذ الصباغة في الأرض أو فوق الجدار..هناك أيضا آخذ مساحات كافية بيني وبين العمل لكي أتامله وأستشرف إضافاته وأحذف زوائده…هناك أيضا الكم الكافي من الأدوات والأصباغ والزيوت وغيرها لتجريب كل المغامرات التقنية فوق مختلف أنواع السند…هناك أيضا أستقبل أصدقائي بكرم الإبداع.. بكل بساطة ،المرسم حياتي…
وعبر هذا الحجر القاسي،وبطعم الحنين والاشتياق ،وبإحساس الحرمان من كل الطقوس المألوفة عندي..أحاول بين الفينة والأخرى البحث عن البديل. أقوم من حين لآخر بخربشات بما توفر من أدوات بالمنزل ،أكتفي في النهار بورقة وقلم حبر,وأنغمس في رسم بورتريهات لأبنائي،رسمتهم كلهم،وأنا الآن أتأهب لرسم والدتهم رغم كل ما قد تعرفه هذه الخطوة من مغامرة !!!!..
في الليل،وحينما يعانق كل فرد منا عاداته ،أتسلل للمطبخ.سماعات بأذني تؤنسني عبرصوت فيروز أو بعضا من روائع المعزوفات الصامتة..آخذ ورقة وبعض قنينات الصباغة المائية من دولاب بالمطبخ….أنشر منديلا “بلاستيكيا” فوق المائدة.أوزع فوقها أغراضي. وأشرع في الرسم..وحين أتجاوز صعوبات البداية..وأنغمس في التشكيل..تجدني ودونما تحكم مني أمارس عاداتي فأمنح حرية وقوة لحركية فرشاتي فتصيب الهدف بعدما تنفث رداد صباغتها بالجدار و بالأرض…حينئذ،أتذكر المرسم وما كان يمنحني من إمكانيات…
أسترسل هكذا..وحينما أنتهي..وغالبا ما يكون ذلك عند طلوع الفجر..أجمع أدواتي..وأحاول أن أعيد المكان لطبيعته..لكن رغم محاولاتي..تعيد رفيقتي تنظيف المكان قبل بداية طقوس المطبخ عند الصباح وهي تردد دعاءا برفع هذه الجائحة حتى أتمكن من العودة لمرسمي وأعفي المطبخ من هذه الوظيفة المستجدة.
هذه حالتي في ظل الحجر!! أحاول التأقلم و التعايش . لكن،رغم هذا، فالحنين للمرسم يكبر بداخلي يوما بعد يوم، خصوصا في هذه المرحلة التي تتطلب مني إتمام مشروعي الفني من أجل الاستجابة لمجموعة من المواعيد الفنية داخل المغرب وخارجه…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع