أخر تحديث : الأحد 17 مايو 2020 - 5:23 مساءً

الثابت والمتحول في رمضان

إن تغيير العادات من الصعوبة بمكان، وقد عدها ارسطو: « الطبيعة الثانية للإنسان »، ومن ثمة فالانسلاخ من العادة، هو كالتجرد من الطبيعة، له ألم كألم الفطام بالنسبة للرضيع. ورمضان مناسبة لتحرير الإنسان من هذه العادات، وإن كانت « مما لا يتم الواجب إلا به». واجب الحفاظ على النفس والنسل، الذي يمكن أن يتم بأكثر من طريقة. فالحياة علمت وتعلم بضرورة تكثير الخيارات طوعا، قبل أن تجبر عليها قسرا. فالحجر قضى بلزوم البيت و التعايش مع نمط جديد من العيش، لم يعتد عليه الإنسان من قبل. وخصوصا عندما يتزامن مع شهر، اعتاد المسلمون أن يقضوا جزءا منه في المسجد، وآخر للتزاور، وثالثا للسمر في الفضاءات الترفيهية والثقافية. باعتباره شهرا تعلو فيه مطالب الروح، فينشغل المرء بالبحث عن سبل تزكيتها. وتفرغ الأمعاء، فيتفرغ الإنسان لترميم ثقوب العقل، وتتعطل المقاهي نهارا، فتصير ملاذا ومأوى ليلا، والمسجد في كل هذا يشكل قبلة الجميع في كل آن وحين.
مركزية المسجد في الأنشطة الرمضانية:
يشكل المسجد طيلة شهر رمضان قطب الرحى لمعظم الأنشطة، تعبدية وثقافية واجتماعية. لكل هذا فهو يحظى بعناية خاصة قبل مقدم الشهر استعدادا لاستقبال ضيوف الرحمان، الذين يزدادون عددا ومددا. يستعيد دوره التعليمي والتثقيفي والاجتماعي، بما يشهد من حلقات الوعظ والإرشاد، و محاضرات في الفكر والعلوم الشرعية. بالإضافة إلى تلقين مبادئ الترتيل ومهارة الحفظ والتجويد. وبالنسبة للأقليات المسلمة في البلدان غير إسلامية، هو فرصة لتعلم اللغة العربية ومبادئ العقيدة وأساسيات العبادة، وخصوصا بالنسبة للصغار- حيث تخلو البرامج المدرسية من المواد الدينية- يسهر عليها نخبة من الدعاة والمفكرين، وأطر بيداغوجية وفعاليات جمعوية.
ولا يمكن للمسجد ان ينهض بمثل هذه المهام، إلا بإطالة مدة فتح أبوابه. وبالنسبة لبعض البلدان يظل مفتوحا في وجه رواده على مدار الساعة. إذ يعد فضاء للقاء المسلمين الذين يتعذر عليهم اللقاء في غيره من الأيام. فيحرصون على العج إليه في جو احتفالي، بإظهار علامات الفرح والبهجة على مستوى الزي و تنظيم المأدبات. التي للفقراء فيها نصيب، حيث يُكفون طيلة هذا الشهر الفضيل هم التفكير لسد الجوع .مع حرص الأغنياء على إخراج زكاة أموالهم خلاله. وقد أصبحت عملية إطعام المحتاجين، تعرف تطورا وتنظيما عاما بعد عام. يتجند لها طاقم شبابي نذر نفسه لها، في تضحية ونكران ذات، خصوصا في زمن الجائحة، مقتحما صعوبة الحجر وتهديد الفيروس، ليوصل اللقمة لذوي المسغبة. ويشهد رحاب المسجد موائد الإفطار لكل ذي حاجة، فيجمع بذلك الوظيفة الاجتماعية إلى الوظائف التعليمية والتثقيفية. فكيف عشنا هذا الشهر ثقافيا واجتماعيا وتعبديا في زمن الحجر الصحي؟
البيوت فضاء للاستثمار الإنساني:
البيت بأبعاده الرمزية، والمبادلات الروحية التي تتم في رحابه، مبعث سكينة وطمأنينة. يلوذ به المرء حينما ينال منه التعب والجهد. وفي ظل المتغيرات القيمية، والأنماط المعيشية، لم تعد له تلك المكانة التي كانت له، قبل شيوع المقاهي والنوادي والفضاءات العامة العصرية. مما جعل حبال التواصل بين أعضائه، تنقطع في غمرة انشغال الآباء بأعمالهم، و الأبناء بهواياتهم . فإن سمح الوقت باللقاء، فهو للتحية وتبادل الطلبات، وأحيانا لتناول لقيمات على عجل. ومع الحجر الصحي، فالفرصة سانحة، للاطلاع على طريقة تفكير الأبناء، وتطلعاتهم وإحباطاتهم. ومواكبة تعلمهم وتحدياته. علاقاتهم المدرسية، حيث كشف التعلم عن بعد، وهذا من حسناته، صدق ما ينقله الابن عن أساتذته وزملائه، انطلاقا مما يتم تداوله على الواتسب، مما يتيح الفرصة لتدارك الهفوات وتصحيح العثرات. أخذ الوقت الكافي لتناول الوجبات، المعدة محليا في مطبخ البيت، وبمشاركة الجميع، على إيقاع نصائح الغذاء الصحي والمتوازن، الذي هُجر إلى المُصنع والجاهز، وما يسببه من آلام لا تقل فتكا عن فتك كورونا.
جلسات حول إبريق شاي، محلى بسرديات الآباء والأمهات، الضاربة في أعماق الطفولة والشباب، بنجاحاتها وإخفاقاتها، علها ترمم ما تصدع في فكر ووجدان الصغار، وانحرف من سلوكيات المراهقين من الأبناء. أما تخصيص وقت لمشاهدة فيلم معا، مشاهدة مؤطرة ببيداغوجيا النوادي السينمائية، التي نهل من معينها جيل الثمانينيات، تجعل احداث الشريط وشخوصه، حوامل لقيم عجز الخطاب اللفظي عن غرسه.
البيت فضاء للتزكية الروحية والتنمية الثقافية:
للضرورة أحكامها، ف«الحفاظ على الأبدان، مقدم على صحة الأديان». فقد فرض الوباء على المسلمين في أكثر البلدان، رد الاعتبار للمنزل في أن يشهد رحابه، حلقات الذكر والفكر تجمع ساكنيه. وأن تردد بين جدرانه، صدى تراتيل القائمين، ودعاء المستغفرين. فحزن المسجد لفراق الساجدين، عزاؤه سعادة البيوت وعمارتها بقيام المخلصين، قد يكون أكثر تضرعا، لشدة خفائه عن الأنظار.
وقد تكفلت وسائل الاتصال الرقمية، على جمع لفيف من الناس، في طقوس قرائية أو فنية أو رياضية، ومناقشات فكرية وأدبية، سدت ما سد الاجتماع الحضوري، و الرغبة في الاحتفال الرمضاني، وإحياء فعالياته بأسلوب آخر. كما استعاد البيت دفئه وحرارة اجتماع أهله الذين كانوا يتفرقون في أماكن شتى للسمر وإهدار الوقت. فبدلا عن ذلك، وجد الإنسان سعة للمكوث والتقرب من أبنائه، خصوصا إذا انقطع ولو للحظات عن الهاتف والشاشات. وإحياء متعة القراءة في شهر القرآن. ، ونمط عيش ينذر الظفر بتلابيب بهجته في غيره من الأيام.
مما ينبغي الانتباه إليه وتثمينه في الشهر الفضيل المتزامن مع الحجر الصحي، أن وثير ة الاستهلاك لم تعرف ذلك المنحى التصاعدي المشهود في السنوات الخالية. كما سجلت نسبة الشجارات والحوادث انخفاضا ملموسا. و أصبحت فضاءات التواصل الاجتماعي ميدانا لإبراز المواهب الفردية والجماعية، وعرض الأعمال الفنية والفكرية، عوض عرض أنواع المأكولات والأزياء التقليدية. فكل هذا وغيره مما سيجني ثماره الفرد والمجتمع ما بعد الحجر إن شاء الله، فنخرج منه، وماء الإنسانية يترقرق بين جنباتنا، إن كان « ناجعا لأجل تنقية نمط عيشنا مما علق به من سموم» ( إدغار موران).

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع