أخر تحديث : الأربعاء 27 مايو 2020 - 5:31 مساءً

كلام في الحجر الصحي : 32_الحياة كانت هناك، الحياة صارت هنا

كلام في الحجر الصحي يوميات يعدها الاستاذ محمد أكرم الغرباوي لاستقراء آراء فاعلين جمعيويين ، مثقفين ، رياضيين ، شراح مختلفة …ترصد تجربة الحجر .

  • الحلقة  32     تستضيف -د. منير سرحاني، كاتب مغربي ، مترجم
  • __________

لم أتخيل يوما أن تغدو الحياة بحجمها الكبير جدا داخل البيت. كنت أنزعج من المقاهي الممتلئة عن آخرها ومن صراخ مشجعي البطولة الإسبانية ومن ضوء المرور الأحمر الذي كان يتعطل وأنا أسوق سيارتي متجها إلى عملي البعيد عن منزلي بعشرات الكيلومترات، يعترض طريقي فأملّ من الانتظار، بل وأمتعض من نظرات بعضهم خلف زجاج سياراتهم الشفاف. كنت أكره أن أصل قبل الموعد فيعاتبني صديقي عن تأخري، أن أستيقظ باكرا يوم عطلة أو نهاية الأسبوع التي لم تعد. فقدت الأيام ألوانها. حتى الساعة التي اشتريتها لم تعد كافية، وضعتها فوق رف بعيد ألمحها وأنا في طريقي إلى الحمام. أتسكع في شقتي وكأنها شوارع لا تنتهي. أقضي وقتا طويلا في إعداد قهوة باردة لا تشوبها نميمة الآخرين وأضع فيها ما أتشهى من قطع السكر. كيف لي أن أخاف من مرض مجهولو لا يعرف ملامحه أحد. كل الأمراض أصبحت تافهة، بل يخيفني اليوم هو أن يمرض الآخرون.
في البداية، حماستي مشتعلة، كنت أتابع أرقام من يتساقطون تباعا من على التلفاز، كل مساء. مسؤول بمركز الأوبئة يقرأ على السادسة مساء تقريره ليخبرنا بعدد المصابين الجدد، بعدد المتعافين وبذلك العدد الذي يخيفنا أكثر مكتوب باللون الأحمر المرتبط اعتباطا بالموت. رقم أخضر وآخر أحمر وثالث بلا لون. حتى الموت صار رياضيا. الآن، صرفت النظر تماما عن كل هذه الأرقام، لعلها تسببت في أرقي المنتظم. لذلك قررت أن أعيش على الحروف لكي لا تختلط الألوان علي وأصاب بالضرارة. ألجأ إلى شرفتي الصغيرة لأرى وأكتفي بالنظر. أرى الجيران الذين لم أكن أعرف لهم وجها ولا ألتقي بهم ولو بالصدفة وقد اعتلوا منصة سطوحهم لإشعال سيجارة تلو الأخرى، ابتساماتهم عريضة فرحا بحريتهم أمام السماء. في العالم الافتراضي، صار أصدقائي أكثر تركيزا وهم يقرؤون ما ينشر على حيطان الفيسبوك. كنا نكتفي جميعنا بالنقر على القلوب الحمراء وحب أي شيء يشاركه الأصدقاء. اليوم، أصبح للفيسبوك ضميرا. التعاليق لا تتسرع، الكلمات مختارة بعناية وبطء شديدين، بل وصار صديق بعيد يطلب مني أن أعتني بنفسي وأن أعده بلقاء بعد انتهاء المحنة والإفراج علينا. تصالحنا مع مواهبنا التي دفناها أو ظلت عالقة في هموم الحياة والركض خلف أنفسنا تماما كما يدور الدرويش حول نفسه معتقدا أن جسده يدور حول الكون.
أعتقد أن الحياة امتعضت فجأة من غفلتنا فقررت أن تغير منهجها لذلك دخلت فقط لأننا كنا نخرج إليها ولا نراها. نذهب إليها بلا حب. حتى ونحن نعدها بأن لا نكرر الخطأ نفسه، يوم تستضيقنا هناك من جديد، نكذب في وعدنا وهي تدرك جيدا أن عقيدتنا مهزوزة لكنها لا تتغير. نشبه في إيماننا هذا أولئك الذين يصارعون أمواج البحر العالية فيقولون خوفا وهلعا “لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين”. الضعفاء يحسنون الوعود ويتقنون مراوغة القدر وحين يتلمسون صلابة البر وقوة المرسى يلقون بتوبتهم في مزبلة النسيان و بل ويتطاولون على منقذهم. الإنسان هكذا. يطغى ثم يضعف فيتوب ثم يتقوى فيهوي ولا يملأ جوفه إلا التراب. لعل السيد كوفيد ينقذنا من حياتنا الماضية فنصير ذلك الإنسان العارف لضعفه، المحب لأرضه فيسقيها بالعلم الذي لا مُنقذ سواه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع