أخر تحديث : الثلاثاء 12 فبراير 2019 - 11:53 مساءً

أصدقائي وأساتذتي الشعراء .. محمد الخمار الكنوني

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 12 فبراير, 2019 | قراءة

محمد بنقدور الوهراني
محمد الخمار الكنوني، لم يكن صديقا لي بالمعني المتداول للكلمة، بقدر ما كان استاذا صديقا.
هو أبن مدينتي، أعرفه، منذ تشكل وعيي بالثقافة والأدب، باعتباره أحد أعلام المدينة، والراعي الرسمي لأبناءها، والحاضنة التي حرصت على تهيئة جيل شعري في مدينة تعيش على هامش الحضارة بعدما كانت في قلب الحضارة،
يواكبه ويراقبه عن بعد، بدون تدخل مباشر منه، وكأنه كان ينفخ في هذا الجيل من روحه.
محمد الخمار، كما كنا نسميه، حينما كنا نحذف اسمه الثالث، يستطيع، منذ اللقاء الأول، والتحية الأولى، والحوار الأول، يستطيع أن يسلبك لبك ويتسلل داخلك مقيما دائما بين جوارحك ومشاعرك وأحاسيسك، كانت له قدرة عجيبة على التأثير الكبير على من يعرفه بأقل الكلمات الممكنة، وفي وقت زمني قياسي.
محمد الخمار الكنوني، كان صديق الجميع، بيته مفتوحا للجميع، في أي وقت وفي أي حين وكيفما كانت الأحوال والظروف، يكفي أن يكون بينكما موعد، فينتظرك، ويستقبلك بحفاوة تستطيع من خلالها الإحساس وكأنك في بيتك.
وأنا أشهد أنني زرته مرارا في بيته، منفردا، أومصحوبا بابن عمي يوسف بنقدور، أحد تلامذته النجباء، وفي كل مرة كان استقباله مشوبا بحفاوة طبيعية بسيطة صادقة وحميمية في آن.
معرفتي بالمرحوم محمد الخمار بعيدة في الزمن، ولكن قربي منه واحتكاكي به، واستفادتي منه، وتمتعي ببركاته، تعود لسنة 1989، حين كنت أدرس في جامعة محمد الخامس بالرباط تحضيرا لشهادة استكمال الدروس الجامعية.
كنت حينها حاصلا على الإجازة في الآداب ببحث متعلق بالأدب المغربي المعاصر، موضوعه( ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب لمحمد بنيس، المنهج والمصطلح)، وكان طموحي أن أستمر في طرق أبواب الشعر المغربي الحديث حتى النهاية، ولكن شاءت الأقدار أن يغير السي محمد الخمار الكنوني بوصلتي الشعرية، ويحوّل شراع بحثي في اتجاه الأدب الأنداسي، ليصبح عنوان بحثي الجديد للحصول على شهادة استكمال الدروس هو، ( المنهج والمصطلح في ذخيرة في ابن بسام الشنتريني).
كان هذا الاختيار سيئا بكل المقاييس، بحيث درست الأدب الأندلسي وأنجزت البحث بشهية شعرية منعدمة، وبأفق معرفي محدود، كانت نتائجه كارثية بالنسبة لي، وانتهى الأمر بمرض السي محمد الخمار، بمرض لم يمهله طويلا، ووفاته بعد ذلك.
خلال مدة البحث، والتي ناهزت سنة، كان التواصل مع السي محمد الخمار الكنوني لا يتحدد فقط في موضوع البحث، منهجه وفصوله وطروحاته، بقدر ما كان يشمل كل مناحي الحياة، وفي مقدمتها، الشعر.
السي محمد الخمار كان قريبا من قلوب مرافقيه ومجالسيه ومجايليه، من الأصدقاء والأساتذة والطلبة والأهل والأحباب، محبوبا محترما مقدَّرا من طرف الجميع، يتميز بهدوء وأريحية ورهافة حس تستطيع امتلاكك، وإقناعك بأنك في حضرة رجل من طينة خاصة، بأنك في حضرة شاعر.
كان السي محمد الخمار، يتحدث في كل المعارف والمدارك والعلوم والآداب بكثير من العمق والمعرفة والإحاطة والدراية، ولكنه عندما كان يتحدث في الشعر وعنه، كان يغوص فيه إلى أعمق أعماق القصيدة.
كان السي محمد الخمار، وهو يتحدث عن الشعر، يتحدث عنه بخشوع الناسكين وبصفاء الصادقين وتفكّر الزاهدين.
السي محمد الخمار، كانت تجتمع فيه محاسن الخلق، إضافة إلى خاصية أساسية هي التواضع ونكران الذات، في وقت كان حب الذات هو الموجه لعدد من الأدباء والشعراء، والمسيطر على سلوكياتهم وتعاملهم.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فالسي محمد الخمار في المناسبات واللقاءات والاحتفالات وما يدخل في سياقها، غالبا ما كان يجلس في الصفوف الخلفية، بدون بهرجة أو إثارة انتباه، يشهد بهذا العارفون الذين كانوا يقدرون فيه خصلة تواضعه الأصيلة.
ولعل أسمى مراتب نكران الذّات عند محمد الخمار الكنوني هي عندما كان يتعاطى مع الشعر كشاعر، بحيث لم يكن يعطي قصائده الأهمية التي تستحق، كان يكتب بكفاف وعفاف إبداعي منقطع النظير، حتى ليخيل إليك أن الشاعر زاهد في قصائده لا يوليها أي أهمية تذكر، هو يكتبها، أو بالأحرى يعتصرها من داخله، ثم ينثرها، مع الرياح، رمادا أو سمادا، لا يرجو من ورائها لا جزاء ولا شكورا، يتركها تهيم في ملكوت الشعر لعلها تثمر نشوة أو شهوة أو حكمة.
للإشارة فقط، ديوان محمد الخمار الكنوني الوحيد، جُمِّع ودبر بليل، حينما تواطأ محمد بنيس مع بعض أصدقاء الشاعر على تجميع بعض قصائد الخمار الكنوني بين دفتي كتاب، كان له من الأسماء (رماد هسبريس) والذي رأى النور سنة 1987.
والأكيد أنه لولا مبادرة محمد بنيس لما كان لهذا الديوان وجود، ولكان نتاج الخمار الكنوني متفرقا بين مراجع يصعب التعامل معها أو الوصول إليها.
قبل ( رماد هسبريس) كانت للخمار الكنوني محطات شعرية عديدة خلف فيها أثره الشعري باقتدار كبير، سواء فيما يتعلق بالقصيدة العمودية، أو القصيدة المغناة، أو غير ذلك من تمظهرات الكتابة الشعرية في بعدها الجمالي الفني، بعيدا عن الإيديولوجيا.
ولربما من هذا الجانب لم يولي العديد من نقاد المرحلة الرجل حقه لموقفه الصارم من موضة الإيديولوجي والسياسي واليسارية التي كانت سائدة حينئذ، ولرفضه لها، بقناعة أن القصيدة فن قبل أن تكون قضية.
لم يكن محمد الخمار الكنوني مجرد شاعر مر في مسيرة الشعر المغربي الحديث، كتب وألقى شعره أمام الناس ورحل، بل كان رقما صعبا في معادلة القصيدة المغربية الحديثة المتمحورة حول لازمة (أكون أو لا أكون).
محمد الخمار الكنوني واحد من ثلاثة عرفت القصيدة المغربية الحديثة بهم، ونسبت إليهم وارتبطت بهم، كمؤسسين وكرواد وكمستبصرين شعريين، لم يسبقهم أحد إلى مضمارها أو معمارها.
الثلاثة هم، أحمد المجاطي، محمد الخمار الكنوني ومحمد السرغيني، صحيح، كانت هناك تراتبية في أهمية كل واحد منهم، ولكن، في نفس الوقت، كان بينهم تمايزات فنية عديدة جعلت لكل واحد منهم ميسمه الشعري الخاص، واختياراته الجمالية الخاصة، وأسلوبه الفني الخاص، وخلفياته الفكرية الخاصة.
محمد الخمار الكنوني، لم يتميز عن رفيقيه في التأسيس بشيوعه أو ذيوعه أو علو كعبه، بقدر ما تميز عنهما بارتباطه بالشعر، باعتباره أداة للتعبير وليس أداة للتغيير، من جانب، ومن جانب آخر تميز عنهما بجعله الذات والتأمل الوجداني منطلقا نحو كل قول شعري صحيح.
وهذا هو الذي جعل العديد من المتابعين والمختصين يعتبرون محمد الخمار الكنوني شاعرا يغرد لوحده خارج السرب، بغنائية وجوانية قائمة على البوح والتأمل، بعيدا عن النضال والواقعية القائمة على النقد والاستقراء.
هل أساء محمد الخمار الكنوني اختيار طريقه الشعري، فأدى ضريبة ذلك تتبعا ونقدا واهتماما، أم أحسن الاختيار حينما ابتعد عن موجة شعرية سرعان ما ضعفت ووهنت وقل سحرها بانتفاء أسباب وجودها؟
ألم يكن محمد الخمار الكنوني، باختياره الشعري، المنطلق من الذات وليس الواقع، مستبصرا شعريا ومستبشرا جماليا، حينما تبنى رؤيته الشعرية الجمالية جيل الثمانينيّات وما تلاه؟
هل بالفعل نجد صدى الخمار الكنوني ولا نجد صدى المجاطي في القصيدة المغربية الآنية بكل تلاوينها؟
هذا مع الاعتراف باعتبارية الشاعر أحمد المجاطي من ناحية النقد والتتبع، من طرف المرتبطين بالمرحلة التاريخية التي وجد فيها الشاعر.
الشاعر محمد الخمار الكنوني، كان يكتب بوعي تاريخي وشعري كبير، ومن مظاهر هذا الوعي:
– التراث العربي حقيقة موجودة، والتعامل معه لا يجب أن يكون بالإلغاء أو الإزاحة، وإنما بالتجديد وإقامة الجسور، فنيا وإبستمولوجيا وشعريا.
– الحداثة العربية واقع موجود كذلك، ويجب الاعتراف بها كحركة شعرية طبيعية، لها خلفية فكرية ولها امتداد في التلقي، وكذلك بشاعرية أصحابها، مع الاحتفاظ بهامش للمسافة النقدية الواجب توفرها في التعاطي والتعامل معها.
– الشرق العربي الشعري، صنو وند للمغرب الشعري، بدون أستاذية أو مفاضلة أو إلغاء، مع الحرص على التكامل والتعاون بينهما، مع الاحتفاظ بخصوصية أي جهة، بغض النظر عن السبق الزمني أو القيمة الفنية.
– القصيدة المغربية، مكون شعري له محدداته وخصوصياته الفنية والجمالية والإبداعية، تتميز عن غيرها، تصورا ورؤية وبناء.
فضلا عن هذا، السي محمد الخمار الكنوني شاعر اهتم بالقيمة الشعرية للنص الشعري، ولا شيء غير النص الشعري، وتفوق في التعبير الشعري عن الأنا والذات والقصيدة، بوعي شعري مغربي خالص، وبانتباه جمالي فيه بعضا من الماضي وبعضا من الحاضر، والكثير من حسه وذوقه وفكره وذاته.
مياه كثيرة جرت تحت جسر القصيدة المغربية المعاصرة والحديثة منذ وفاة محمد الخمار الكنوني، ومرت بين ضفتيها وجوه وشخصيات وقامات شعرية، ومرّ الزمن الشعري المغربي بإشراقات وتعرض لمطبات، وظل اسم محمد الخمار الكنوني هو هو، لم يتغير ولم يتبدل، محافظا على لمعانه وأصالته وعنفوانه،
تغير حال القصيدة وأحوالها، وظل محمد الخمار الكنوني ذاك التنين الذين يحرس القصيدة المغربية بتفاحها الذهبي وبحقولها ومحصولها، ظل شامخا، لا خوف عليه ولا هم يحزنون.

يكفي أن نقرأ مع الشاعر قوله:

غارقا في عرائش بسملتي وصلاتي
أقول لكم ولنفسي: عذابي الذي لا يقال
عذابي الكلام المجاز وإن المقال استعاره
وأن العمى، والرجال حروف عباره
.. عائد كل يوم أنوء بذاكرتي، ورقي ولساني
أنزع أقنعتي وأقول: لقد مر يوم
فماذا أقول غدا لأشد العيون، وأروي الشرارة

أو نقرأ معه قوله:
فها أنت ذا أيها البرق بعد اشتعالك
تسكن بين رمادك،
كالماء في الكأس
يفقد ذاكرة البحر، زرقته
يتحول من كائن سرمدي
التلون والهيجان
إلى جسد دائري
غريب عن اللون والموج
يسكن بين الزجاج
وبين النزوع إلى البحر.

إقر مع الشاعر محمد الخمار الكنوني مثل هذا، وستعلم أنك في حضرة شاعر من طراز رفيع.
محمد الخمار الكنوني، خطفه الموت باكرا، وهو بعد لم يعلن على الناس قصيدته المشتهاة.
محمد الخمار الكنوني، هو حقيقة، كما قال أحد الحكماء، ( قصيدة لم تكتمل، وجرح لم يندمل).
السي محمد الخمار، أراه يخاطبني ويخاطبنا جميعا، حين يقول:

يَا ميتاً فيهِ جَمالُ الحياة
ما حازَ مِنْكَ اللحْدُ إلا الرُّفات
أنت الفتى الباقي بآثاره
ما أنت بالمرء إذا ماتَ مـاتَ.

سلاما عليك أيها الشاعر، سلاما عليك ورحمة، يوم ولدت، ويوم مت، ويوم تبعث حيا.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع