أخر تحديث : الجمعة 18 أكتوبر 2019 - 12:01 صباحًا

العفو عن هاجر الريسوني ومن معها

صدر عفو ملكي أمس عن هاجر الريسوني وخطيبها والطبيب والطاقم.
هذا خبر أبيض تسرب إلينا في لحظات السواد.
وهو ما أثار وسيثير نقاشا على عدة مستويات. وحق له ذلك.

ملاحظة أولى وأولية : 
جرت العادة أن يصدر الملك عفوه عن جماعة من المعتقلين، مغاربة وأجانب، في المولد النبوي وعيد العرش وعيدي الفطر والأضحى، وربما مناسبات أخرى لا أذكرها. والمناسبات المذكورة في الظهير المنظم للعفو ليست مذكورة على سبيل الحصر، بمعنى أن بإمكان الملك إصدار العفو عن معتقلين في أي وقت شاء، دون تقييد زمني.
وهذا الاستثناء وإن كان سائغا قانونا، إلا أنه يبقى استثناء، أو هو استثناء الاستثناء، حيث لا تحتفظ ذاكرة المغاربة بعفو ليس ذي علاقة بالمناسبات الدينية والوطنية. مما يعني أن العفو الحالي كان استثنائيا، وهو دليل على أن الملف استثنائي من أصله، فكما تعامل معه الملك بمنطق الاستثناء، كان على القضاء أن يكون ذكيا، ويتعامل معه أيضا بمنطق الاستثناء، حتى لا يسهم في تسجيل نقط في سجل المغرب الحقوقي هو في غنى عنها.
وللإشارة، في فاتح ماي 2007 حوكم مجموعة من المغاربة بتهمة المس بالمقدسات، بناء على تقارير رفعت عنهم حول شعارات ما، وقد عرف اعتقالهم حركات احتجاجية تضامنية اعتقل على إثرها آخرون، من ضمنهم الشيخ محمد بوكرين الذي أطلق عليه حينها معتقل الملوك الثلاثة. وبعد تصاعد الفعل الاحتجاجي، كانت الاستعدادات على أشدها لتخليد فاتح ماي بطعم غير عمالي، وقد يعرف احتجاجات استثنائية لكونه يوافق الذكرى الأولى للمعتقلين، فتدخل الملك في الأسبوع الأول من أبريل، أي أقل من شهر قبل فاتح ماي، وأصدر عفوه عن المتابعين دون ارتباط بأية مناسبة دينية أو وطنية،
ومن حسن الأقدار، أن يكون ضمن العفوين الاستثنائيين فردان من عائلة الريسوني، في 2007 محمد ربيع الريسوني، وفي 2019 بنت خاله هاجر !!!!!!!!! يا للغرابة.
ويبقى السؤال مطروحا، لماذا العفو في ملف هاجر ومن معها؟
** ربط البلاغ بين العفو وبين الرأفة والرحمة المشهود بهما لجلالة الملك، والبلاغات الرسمية لا تدبج بهذه الطريقة، ولا تُستعمل فيها هذه العبارات، لأن جلالة الملك يستصحب الرحمة والرأفة في جميع اللحظات وفي جميع الأوقات، كما أن رحمته ورأفته تعم جميع المواطنين من دون استثناء، وهنا أوقعنا كُتاب البلاغ ومحرروه في دوامة مشاكل، لأن من حق كثير من المعتقلين أن يتساءلوا عن حظهم من الرحمة الملكية، ومن حق والدة ناصر الزفزافي أن تتساءل عن حظها من الرحمة وهي الكبيرة والمريضة بداء خطير، وتتقطع كبدها يوما بعد يوم وهي ترى ابنها الذي لم يطالب إلا بمطالب اجتماعية اعترف بها النظام نفسه، وزلزل بسببها حكومة البلاد. ومن حق زوجة المهداوي وبنته أن يتساءلا عن حظهما من الرحمة، ومن حق كثير من المعتقلين أن يطالبوا بحظهم من الرأفة الملكية أيضا.
هنا أسجل بأن محرري بلاغ وزارة العدلية لم يكن موفقا، رغم أن وزارة العدل يسيرها مفتش يعرف قيمة الكلمات وبعدها البيداغوجي.
** ربط البلاغ أيضا بين العفو وبين الحرص على مستقبل هاجر وخطيبها في تأسيس أسرة طبقا للشرع والقانون، وهذه رسالة مبطنة حيث قدم البلاغ كلمة الشرع على القانون، وهي رسالة إلى من ينادي بسيادة القيم الكونية وووو.
لا تهمني هذه الإشارة، ولكن أناقش من خلالها عدم حرفية المحررين بقصر المامونية، لأنه إذا كان العفو مرتبطا بتأسيس أسرة، فإن الطبيب والطاقم الطبي غير معنيين بالعفو، وهم غير مخطوبين ولا خاطبين، لذا كان إقحام هذه التعلة غير موفق.
تلافيا لكل هذه الملاحظات، كان على البلاغ أن يقول
بناء على طلب الأطراف المعنية، أو بمبادرة من جلالة الملك، قرر طبقا لصلاحياته الدستورية إصدار العفو عن جماعة من المعتقلين الذين مازالو موضوع المتابعة القضائية، وهم السيدة والسيد والسيد، وانتهى الأمر، وآنئذ يحق للمحللين أن يتحدثوا عن الرحمة والشفقة والرأفة، وليس ذلك من اختصاص البلاغات الرسمية.
هذا على مستوى البلاغ.
أما على مستوى التفاعل معه، فتلك كارثة كبرى، حيث طفق جمع من المحللين اليوم يتحدثون عن رحمة الملك بشابة وخطيبها، وهم بالأمس كانوا يرفضون كلمة الخطبة الواردة في تصريحاتها، ويكذبون عمها أحمد الريسوني الذي صرح بأنها مخطوبة، فلماذا كذبوا الخطبة أمس، وقبلوها اليوم؟
يذكرني هذا التقلب والتحول بما ذكره مولاي هشام عن الحسن الثاني في مذكراته، أنه ذات يوم وُضع له طابق باذنجان، فأعجب به الملك، فتسابق الحاضرون في ذكر الباذنجان وفوائده، وبعد شهرين وضعوا له نفس الطاجين، فأبدى منه نفورا، فتسابقوا على الكلام وتداولوا في سلبيات الباذنجان وأضراره، فما كان من الحسن الثاني إلا أن واجههم وذكّرهم بما سبق أن قالوه.
وما التحول في مسألة الباذنجان، إلا كالتحول في مسألة الخطبة، وهذه عينة من النخبة الملعونة التي لا تعبر عن قناعاتها، وإنما تتقن التزلف والتملق والتمرّق (نسبة إلى المرقة) والتزرق (نسبة إلى الورقة الزرقاء) والتشَيُّك (نسبة إلى الشيك).
أما وزير الدولة في حقوق الإنسان، فهو باذنجاني أو أفظع، إذ مهامه الدستورية تفرض عليه أن يتدخل لضمان حقوق الإنسان في مثل المحاكمات التي وقعت لهاجر ومن معها، لكنه بلع لسانه، والآن يتحدث عن إرجاع الأمور إلى نصابها. اللهم احفظنا من السلب بعد العطاء،
أما القاضي والنيابة العامة، فإن قرار العفو رسالة لهم أجمعين بأنهم لم يكونوا في هذا الملف كما ينبغي، إذ من المبالغة القانونية متابعة هاجر في حالة اعتقال، وكان حريا به أن يتابعها في حالة سراح، خصوصا أنها لا تشكل خطرا، وعندها ضمانات الحضور، ثم وهذا الأهم، أنها كانت في حالة صحية غير جيدة، بعد النزيف الذي صرحت به، أو بعد الإجهاض الذي قيل، فلماذا التشدد في الاعتقال، هذا التصرف قد يكون قانونيا لكنه ليس إنسانيا، ولا يمكن أن تجده في السويد أو الدنمارك أو حتى في سبتة السليبة أو الجزر المقابلة للعيون، ومنذ سنوات أطلق الملك شعار “القضاء في خدمة المواطن”، ولعل بعض القضاة نسوا هذا الشعار رغم أنه مكتوب في جدران المحاكم.
أما الحكم بسنة نافذة، فتشدد آخر.
وهنا نطرح السؤال، لنفرض أن القاضي استحضر البعد القانوني، واستحضر في الوقت نفسه البعد الإنساني، ومال نحو التخفيف، وتابع المعنية في حالة سراح، هل سيتعرض للعقوبة؟ ماذا يضيره آنذاك؟
ثم لنفرض أنه حكم عليها بحكم مخفف، كغير النافذ، أو شهور قليلة مع النفاذ، من سيتابعه؟ من سيلومه؟
بل إنه سيكون قضاء قانونيا وإنسانيا.
لأن القانون والإنسانية يقولان: لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة
وهذا قبل أن يكون مبدأ قانونيا، هو حديث نبوي، ولو طبقه القاضي لكان مأجورا غير مأزور، ولاستفاد دنيا وأخرى.
أما ما يحيرني، وهو لماذا العفو الآن وليس بعد أقل من شهر في المولد النبوي، هل الأمر له علاقة بالضغط الإعلامي العالمي؟ أم له علاقة بالنضال الذي مارسه جزء من الإعلاميين المغاربة ومعهم حقوقيون ذوو مكانة؟ أم له علاقة بالطبيب وهو المنتمي إلى أسرة أرستقراطية ذات علاقات متشعبة مع علية القوم؟ أم ماذا؟
المهم من هاذشي كامل، هو
الحمد لله على العفو والخروج من السجن.
والحمد لله على النخبة الباذنجانية الجميلة.
والحمد لله على القضاء والقضاة.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع