أخر تحديث : الأحد 5 يناير 2020 - 12:02 مساءً

ذاكرة زمن مفتقد: الذكرى الرابعة/ الجزء الثاني والاخير

عند حلول شهر مارس، و عشية يوم مشمس، تفاجئنا نحن التلاميذ بحركة غير عادية، اذ اجتمع معلما اللغة العربية و اللغة الفرنسية وأخرجا الفوجين معا لساحة المدرسة لتبدأ عملية فرز و انتقاء تشبه تلك المتعلقة بأضاحي العيد. في البداية، شأني شأن كل زملائي وزميلاتي لم افهم حقيقة ما يحدث، لكن في النهاية أدركنا أنهما فصلا التلاميذ المجتهدين عن الكسالى لكي يتم تكثيف الجهود مع الأوائل و إعدادهم لاجتياز امتحان الشهادة الإبتدائية، و التحفظ على الآخرين لأنهم في حكم المكررين، و بالتالي فلا داعي لهدر المزيد من الجهود معهم، فالمجتهدون أولى بها.
و حمدت الله كثيرا حين تم و بقدرة قادر إختياري مع فئة المجتهدين ، و كنا اثنين فقط، انا و زميل لي من التلاميذ الجدد غير المكررين الذين تمت إضافتهم لفوج المجتهدين المكررين .
هذا الإجراء اعتمدته مجموعة من الأنظمة التعليمية سابقا و إلى اليوم في مجموعة من دول العالم، و لكن ليس لنفس الهدف و لا بنفس الطريقة. فالهدف هو مراعاة القدرات العقلية ، الذهنية و النفسية للتلاميذ و تصنيفهم لكي يتلقوا برنامجا تعليميا و تربويا يتناسب وإمكانياتهم كما يعمل على تطويرها ، و كل ذلك ليس فقط من إجل اجتياز إمتحان إشهادي آخر السنة الدراسية و إنما من أجل النجاح في معركة الحياة و اكتساب القدرة على الخلق و الإبداع و كذا التلاؤم مع مختلف الوضعيات.
و الطريقة طبعا بعيدة كل البعد عن تلك التي تمت وسط الساحة المدرسية على مسمع ومرأى من الكل، و كأننا وسط سوق تعرض فيه البضائع و تتم المزايدة عليها، اذ ينبغي اعتماد معايير دقيقة تتأسس على الاختبارات الذهنية، النفسية و السلوكية، و كل ذلك بتنسيق بين الهيئة التربوية و المختصين النفسيين والإجتماعيين داخل مكاتب الإدارة التربوية.
عدنا لفصولنا بالتشكيلة الجديدة و كأننا فريق رياضي تم الرهان عليه، و شعرت ثانية بالغربة مع تغير بعض الوجوه و بالرهبة مما هو أتي في القابل من الأيام فقد تلقينا ايحاءا بصعوبة المرحلة القادمة.
لكن بعد ذلك حدث لي ما لم يكن في الحسبان ، و ذلك يوم اعددنا ملفات اجتياز امتحان شهادة الدروس الإبتدائية، وكان علي تسليمه لأستاذ اللغة العربية، فقمت بذلك و أنا احلم بالخلاص و اترقب انتهاء السنة الدراسية كما استعجل نهاية هذا الكابوس الجاثم على صدري خاصة مع إضافة مادة التربية النسوية تلك السنة والتي زادت طيني بلة، فما كرهت في تلك السنوات مادة مثل كرهي لتلك التي كانت تعتمد فيها الاستاذة في تعليمنا على الوخز بالابرة أو بأصابعها ، و لأول مرة في حياتي وآخرها كنت أتغيب عمدا و بتعبير تلك المرحلة ( كنت كنهرب من القسم) لكني لم أكن أجرؤ على مغادرة المدرسة لهذا كنت اختبيء صحبة خالتي الصغرى و صديقتي ناديا خلف الأقسام لنلتقط حبات التوت البري المتساقطة من الأشجار و نلتهمها في انتظار انتهاء الحصة.
و ما أن اطلع الأستاذ ذلك اليوم على ملفي المدرسي حتى نادى علي و أخبرني بأنه لا داعي لحضوري ثانية للمدرسة تلك السنة لأنني لن أشارك في الإمتحان فسني أصغر من العتبة المحددة آنذاك.
عدت إلى منزلنا و أنا محطمة القلب، مكسورة الخاطر و باكية العين، لا أتخيل سنة أخرى من العذاب و المعاناة، و كعادتي أخبرت والدي بما حدث، لم يعلق بكلمة لكنه أمرني بالذهاب في الغد للمدرسة. و فعلا ، التحقت ثانية بمدرستي و بفصلي و في الحصة المسائية، و أثناء فترة الإستراحة رأيت والدي تغمده الله بواسع رحمته، وسط الساحة يرعد و يزبد ، يحتج ويصرخ و قد أحاط به السيد المدير و السادة الأساتذة يهدؤون من روعه ، فقد فاض به الكيل و هو يراقب عن كثب سوء معاملة المعلم لي . ارتعبت حينها و ارتعدت أوصالي لكني لم اقترب من والدي خوفا من معلمي، و كان يوما لم ينسه كل الطاقم التربوي لمدرسة ابن خلدون آنذاك و لفترة طويلة، و كان كلما التحق أحد من أخواتي بالمدرسة يسمع عن ذلك اليوم المشهود، و لا يزال إلى اليوم يذكره من لا زال منهم على قيد الحياة مثل الأساتذة الأجلاء: الشلي، العبراق و الناصري أطال الله في أعمارهم.
علمت بعدها أنني سأجتاز الإمتحان بطلب تقدم به والدي للسيد نائب وزير التربية الوطنية على الإقليم مرفقا بنتائجي و بموافقة السيد مدير المدرسة آنذاك المرحوم أبو الوفاء.
كانت العتبة فعلا محددة لكن أسلوب المعلم لم يكن تربويا على الإطلاق بل كان انتقاميا بسبب المنديل.
تم قبول الطلب و اجتزت الإمتحان في مدرسة المنزه و هذا حديث آخر و معاناة أخرى مع رهبة المكان الجديد و اعادة توزيع اللوائح والوجوه الغريبة لأساتذة مراقبين لم يسبق لنا رؤيتهم. في مواجهة تلك التجربة حاولت أن أستعد نفسيا فذهبت قبل يومين من الإمتحان للمدرسة الجديدة أكتشف المكان الذي لحسن الحظ كان قريبا من مدرستي و من بيت جدي. مرت الأمور بسلام و كنت أنا و زميلي الوحيد الذي تم انتقاؤه معي في فوج المجتهدين الناجحين المحظوظين غير المكررين في المدرسة بأكملها.
واشكر اليوم مذكراتي التي جمعتني ثانية في هذا الفضاء ببعض أصدقاء طفولتي منهم زميلي ذاك بعد أكثر من أربعين سنة و هو اليوم استاذ جامعي تشرفت بصداقته من جديد.
هكذا خرجت من مدرستي الحلوة و أنا أتأبط شهادة نجاحي و لم أطا بساطها ثانية أبدا ، وأذكرها جنة خلال ثلاث سنوات و جحيما في السنة الرابعة و الأخيرة للأسف.
يومها أدركت أن نفس المكان و في نفس الزمان يمكنه أن يكون جنة و أن يتحول إلى جحيم والمعلم داخل المؤسسة التربوية هو الذي يمسك بدفة سفينتك التاءهة ، فيقودك صوب الأولى أو يقذف بك للثاني.
عند انتهاء هذا الشريط الذي استعرضته ذاكرتي بسرعة الضوء، انسحبت من البوابة الكبيرة بعد أن شكرت حارسها الذي سمح لي بالقاء نظرة على مدرستي بعد ترميمها ، و أنا أردد مع نفسي: جازاهم الله عنا خيرا جميعهم ، معلمينا، و رحم الله من توفي منهم و أطال الله في أعمار الذين ما زالوا على قيد الحياة.
غادرت المكان مثقلة بذكريات انبعثت داخل كياني و كأنها بركان ا

استفاق من سباته تتجاذبني طفلة يانعة ما زالت تتنطط داخلي ، أحلامها وردية و نظرتها حادة و ثاقبة للحاضر و المستقبل، للواقع و للممكن و امرأة بلغت من العمر عتيا ، تضع منديلا على رأسها، لكن هذه المرة باختيارها و إرادتها الحرة و ترتدي نظارات طبية لم تخترها ، بل فرضها عليها تراكم السنين و النواءب ، تحاول أن تصلح بها ما أفسده الدهر و أن تبصر بها ظاهر الحاضر متوجسة من باطن المستقبل .
يومها لم اشتر فاكهة الرمان الموسمية و عدت أدراجي إلى منزلي و أنا أتجرع الحسرة على زمن مفتقد.

سمية نخشى في 05\01\2020.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع