أخر تحديث : الخميس 23 يناير 2020 - 8:15 صباحًا

روبورتاج : سبتة في عهدها ” الديواني ” الجديد

الرابعة عصرا … تبدو سبتة من وسط بلدة الفنيدق كصخرة عملاقة نائمة على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق .. الجو الغائم المنذر بمطر وشيك و ريح ” الشرقي ” البارد يزيد من كآبة المنظر في منطقة تتصدر أخبارها الملتبسة وسائل الإعلام و مواقع التواصل الإجتماعي في المغرب و إسبانيا .
سيارات الأجرة الكبيرة قرب الممشى البحري ب ” كاستييخو ” تقف متراصة في انتظار الذاهبين إلى ” الديوانة ” .. بعد صياح طويل قارب نصف ساعة تجمع لدى السائق ستة مسافرين لينطلق في رحلته القصيرة … الجانب المغربي من معبر طاراخال يبدو فارغا على غير عادته منذ سنوات إلا من بضعة أشخاص يحومون حول المكان ..يقف رجال أمن مغاربة عند مدخل الحواجز الحديدية مندسين داخل لباسهم الثقيل الذي يقيهم من لسعات برد بحري يجمد الأطراف .. يطلبون جوازات السفر و يتفحصونها بكل تدقيق للمعطيات و ملامح الصور و يأذنون للداخلين القلائل بالمرور .. ممر طويل وسط سياج حديدي حتى مكتب ختم الجوازات .. تمر العملية بسرعة .. نستأنف المسير داخل السياج الحديدي … على اليسار يبدو العابرون بالسيارات يختمون جوازاتهم و يمرون بجوار كلب بوليسي لا يتوقف عن شم جنبات العربات و صناديقها بحثا شيء ممنوع .. نتخطى الجانب المغربي .. على بعد عشرة أمتار يقف فردان من الأمن الإسباني … يأمران الجميع بالإعتدال في صفين واحد للرجال و آخر للنساء … الشرطية الإسبانية تسأل بلطف و بلكنة سكان أندلوسيا حول الغرض من دخول الثغر المحتل .. هل العبور إلى الخزيرات أم لقضاء غرض و العودة إلى المغرب .. يستمر العابرون في السير وسط القفص الحديدي الطويل ليلفظهم مباشرة إلى حيث ساحة صغيرة تقف فيها الحافلات و سيارات الأجرة التي تنقل إلى وسط المدينة و أطرافها … ماريو شاب من بلدة خايين يعمل كسائق طاكسي في سبتة منذ 12 سنة .. يقول أن الوضع تغير كثيرا منذ أربعة أشهر منذ أن قرر المغرب وضع حد لدخول السلع المهربة .. يشرح كيف أن الرواج التجاري نزل إلى أدنى مستوياته و أن مخازن السلع أصابها الكساد و أن الوضع أصبح مقلقا داخل مدينة ليس فيها من مصدر دخل سوى الأنشطة المرتبطة بالتجارة و بعض الخدمات .. ” سأعود إلى بلدتي لجني الزيتون إذا استمر الوضع على ما هو عليه ” يقول ماريو .
من طاراخال إلى وسط المدينة ورش كبير لتهيئة الرصيف البحري و إنشاء قناطر لتحويل الإتجاه نحو حي البرينسيبي الشهير .. الجانب الآخر من سبتة لازال محافظا على رونقه كما هو منذ عقود .. حدائق في كل مكان و مستخدمو تنظيف الشوارع و الأرصفة بملابسهم المميزة يلتقطون من الأرض أي شيء يخدش جمالية الفضاء العام .. تماثيل لمشاهير الثقافة و الفن تزين الكورنيش المطل على الميناء الترفيهي .. محلات تجارية و مقاهي و مطاعم و فروع البنوك و إدارات عمومية تقف متراصة بجوارها حركية مسائية دؤوبة للناس من سحنات مختلفة .. سبتة أكثر المدن ” الإسبانية ” التي يظهر فيها تعايش الديانات و اللغات و الثقافات .. نسبة المسلمين فيها تقارب النصف … يقول أحمد صاحب مقهى قرب مقر المراقبة البحرية ( لاكوماندانسيا) بدارجة مغربية واضحة : ” أنا سبليوني مسلم و الوالد و جدي كذلك تزادوا هنا ، حنا ولاد البلاد ألخاوا ” … أحمد يعترف أنه يصعب عليه التفريق بين انتمائه لإسبانيا و هويته ” المغربية ” : أنا عندي كيف كيف ، عندي طرف من عائلتي فالرينكون و تطوان ” .
السابعة مساء .. معبر طاراخال و قد بدأ الليل يرخي سدوله على المكان … برودة الطقس تزداد شيئا فشيئا … رجل الحرس المدني يصرخ في العابرين إلى الجانب المغربي بضرورة الوقوف في الصف عند مدخل القفص الحديدي ما عدا المرافقين للأطفال يسمح لهم بالمرور عبر باب جانبي .. لا فرق بين المتسوقين و حاملي جوازات السفر المغربية أو الأوربية أو بطاقات الإقامة … راهبتان بلباس الكنيسة المميز قدمتا حاملتين جوازي سفرهما الحمراء … تخطيتا الصفوف نحو الباب الجانبي .. اعترضهما رجل الحرس المدني و طالبهما بعصبية بالرجوع إلى الخلف مع الصف الطويل … العابرون يحملون مقتنيات صغيرة في أيديهم … لا أثر لصف النساء المحملات بأطنان البضائع الجاهزة للتهريب الذي كان مشهدا عاديا هناك .. تقول سيدة عجوز كانت تتكئ على المتارس الحديدية في انتظار دورها للعبور نحو الجمارك المغربية : ” ولاو ما كيرحموشي ، السخيرة ن الدار يحيدوهالك إيلا ما عشرتيشي عليها ” .. تضيف بأسف :” الناس كانوا ليتمعشوا من الديوانة دابا بقاو الله كريم ” .
ثلاثة من رجال الجمارك المغربية يفتشون الأكياس الصغيرة .. أحيانا ينزعون منها شيئا و يصادرونه غير عابئين بالتساؤلات و التوسلات .. على اليسار خلف القفص الحديدي الطويل بدأت تصل السيارات بعد 7 ساعات من الإنتظار في باحة كبيرة داخل سبتة خصصتها السلطات الإسبانية للعابرين .. قبل أربعة أشهر بدأ المغرب في إغلاق المعبر لفترات غير محددة من اليوم دون سابق إشعار .. في السابق كانت تتم العملية بتنسيق بين الطرفين … السيارات جميعها تخضع لتفتيش دقيق .. بعضها تطالب بالتنحي يمينا لمزيد من التفتيش أو تحديد رسوم التعشير على المقتنيات .
نتخطى الديوانة إلى الداخل .. الساحة بدأت تفرغ مع حلول الظلام .. أطفال صغار يبيعون ” الكلينيكس ” .. عجزة يتسولون … سائقو الطاكسيات يصيحون : ” كاستتيخو ، الرينكون ، تيطوان ، تيطوان ، تيطوان ” .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع