أخر تحديث : السبت 15 فبراير 2020 - 9:00 صباحًا

القصر الكبير نستلوجيا الاشخاص و الأمكنة (الجزء الثالث ) القطار الحنين

إنها صورة القطار الذي كان يربط بين العرائش و القصر الكبير ، في الخمسينيات هذا الزمن المختلف بكل مواصفاته من حيث عاداته و تقاليده النبيلة التي تتماها و قيمه الاجتماعية و الانسانية من حيث ظروفه المعيشية و أسبابها التي تغلب عليها البساطة و القناعة و التعايش مع جميع الظروف و الأطراف.
من خلال ذلك اتطرق في هذا السرد المتواضع الى قطار – tanger fes- الذي كان يريط بين القصر الكبير و العرائش الذي عايشتة في صباي ، بأسلوب حكائي أتمنى أن أوفق فيه.

********
أتذكر تطاير شرارات نيران قاطرته بين الركاب و أنا أمتطيه رفقة والدتي ، و عمري السبع سنوات ، فتدثرني بجزء من ردائها( الحايك الأبيض)الذي كانت تربطه على مستوى العنق و طرفي الخصر بخيط حريري ، و تتلحف بجناحيه على الراس و الصدر و هي تقول لي 🙁 عنداك الفطاوش أولدي حضي عينك )
كان قطارنا يسير سير المتباطئ المنهوك ، يعوي عواء ذئب مبحوح بصليل عجلاته الذي يصك الآذان كأنه يئن من ثقل ما بجوفه ، و يريد التخلص منه ، يتصاعد من جنبات قاطرته قرب العجلات بخار أبيض ، فيختلط بدخان متصاعد أسود ينبعث من عادمه العلوي جراء احتراق الخشب ، و الفحم الحجري الذي يرمي به عامله المتسخ الملابس الزرق و الوجه برفش قصير المقبض ، في فرن الاحتراق -الزوبيا-و هو يرطن بالاسبانية- adelante seniores a laratche -فيغمر هامة القاطرة خليط دخان اسود مشفوع بالبخار الابيض عند اندفاعها اإلى الأمام ، تتمايل من ورائها مقطورتين يمينا و شمالا ، تشرئب من نوافذها رؤوس الراكبين برزاتهم و أقباب جلابيبهم تتزحزح حسب حركاتها الرتيبة .
يقضي قطارنا حوالي الثلاث ساعات و يزيد بين القصر الكبير و العرائش ، فلا تصل إلا منهوك القوى و ثقب على الملابس من شرره المتطاير ، و رغم ذلك كانت له مزاياه في نقل البشر و ما حضر ، حتى الضأن من الغنم و المعز و الدواب و ما صغر من البقر خصوصا أيام الأسواق الأسبوعية ، كالأحد بالقصر الكبير و الخميس بالعوامرة.
كان الركاب خليط من ساكنة المنطقة حضريون فيهم إسبان بطرابيشهم و أحزمة تربط سراويلهم على الاكتاف ، منهم من يدخن لفافة سيجارة اعدها من علبة تبغ كانت تدعى -tangerina – في ورقة “ليبرو “و هم يحدثون بعضهم أو مرافقاتهم من النسوة ، في توجس واضح من باقي الركاب ، بجوارهم العلية من القوم يجلسون على الكراسي الخشبية في جلابيب و بدعيات و سراويل فضفاضة ، و يهود اعتلت رؤوسهم قلنسوات لكن لباسهم لا يخلتف عما يرتديه العامة كالجلابيب الصوفية القصيرة المخاطة حسب الطريقة المغربية – غنباج بالبرشمان – و يتسربلون من تحتها بسراويل فضفاضة مشدودة الى خاصرتهم بشريط قماش مفتول – التكة – و مربوط بطريقة خاصة يسهل حلها بسرعة -السريفة- و يتقلدون حقائب جلدية -شكارات- مزينة باللونين الأحمر و الأخضر يضعون فيها اغراضهم و أموالهم
كانوا يقتعدون أرضية القطار ، أو يتقرفصون على جنباته ، فيهم جبليون ، يعتمرون شاشيات مزينة بزهيرات صوفية ملونة و نساؤهم يرتدين سبنايات وتزازير تغلب عليها خطوط حمراء ، و بدويون من قبيلة الخلوط بجلابيب خشنة و نساؤهم في زكادين ثوب يويو البيضاء مربوبطة الى الاعناق بكتفيات فضية او حمالات من الخيط و هم يتبادلون اطراف الحديث عما عاشوه في يوم تسوقهم في تباعد واضح بين النسوة و الرجال ما عدا المرافقات من الإسبانيات .
عند إقبال القطار على محطة العرائش ، يبدأ عواؤه في التعالي كأنه عويل طفل وجد ضالته ، فيتحرك الراكبون استعدادا للنزول ، فمنهم من يحمل سلات أوقدور تحوي بيضا أو خضرا ، بعضها مغطى بورق شجر أو خرقة لإخفاء أشياء عنوة عن أنظار المتلصصين مربوطة بحبل دوم ، أو خيط ثوب بال ، فتشرع النسوة في جذب صغارهن للالتصاق بهن ، خوافا من السقوط ، فيختلط صوت الدجاج الحي بصليل توقف القطار و تشتشات فرامله و همهمات الرجال ، فينزل الجميع في تسابق مرح فرحا بركوب القطار و الوصول بسلام.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع